قوله «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» إنما هو في القيامة إذا قدم في الشفاعة على جميع الأنبياء، وإنما منع أن يفضل على غيره منهم في الدنيا، وإن كان صلى الله عليه وسلم مفضلا في الدارين من قبل الله عز وجل، فالسيادة في الدنيا منفية، ونفيها ليس من باب عدم الاستحقاق، وإنما هو من باب التواضع لربه جل وعلا وأما السيادة يوم القيامة فهي مثبتة، ولذلك قال"أنا سيد الناس يوم القيامة"فقيد هذه السيادة بيوم القيامة، وقوله"ولا فخر"يفيد أنه إنما نفاها عنه في الدنيا من باب التواضع لله تعالى، الرابع:- أنه صلى الله عليه وسلم لم ينف عنه السيادة في هذه الحياة، ولكنه لا يحب أن يمدح مدحا فيه غلو وإفراط حماية لجناب التوحيد وسدا لباب الغلو في شخصه صلى الله عليه وسلم، فغنه قال"أيها الناس، قولوا ببعض قولكم"وقال"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم"وأما في الآخرة فقد زالت المفسدة وانتهى الخطر من الغلو فيه فقال"أنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر"وأقول بعد هذا:- كل الأجوبة له حظ من النظر، وكلها صحيح مليح، وخذ بأيها شئت, وعليه:- فلا إشكال ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة.
(فصل)
إن قيل:- لقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم، وقال"فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة"فهذا يقضي أن لا شفعة عند معرفة حدود الملك، كيف هذا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم"الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر به إن كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدا"وقال"الجار أحق بسقبه"مع أن دار الجار قد عرفت حدود، فكيف هذا؟ فأقول:- الأمر واضح، وبيان هذا أن قوله في الحديث"ما لم يقسم"لفظ عام، لأن المتقرر في قواعد الأصول أن (ما) من صيغ العموم، لأنها اسم موصول، والمتقرر أن الأسماء الموصولة تفيد العموم، فهذا لفظ عام، إلا أن حديث شفعة الجار خاص، فيجوز للجار أن يشفع في دار جاره إن كان بينهما منفعة مشتركة، واختاره شيخ الإسلام أبو العباس رحمه الله تعالى، وقد تقرر في الأصول:- أن الخاص مقدم