في الآية الأولى ليس هو محل الذم في الآية الثانية، وهذا هو الصواب من أوجه الجمع، وذلك لأن بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى قد قال:- بأن آية الذم منسوخة بآية الإذن، وهذا غير صحيح، لأن المتقرر أنه لا يقال بالنسخ مع إمكانية الجمع بين الأدلة، والمتقرر أنه لا نسخ بمجرد الاحتمال، والمتقرر أن إعمال الدليلين أولى من لإهمال أحدهما ما أمكن، والله أعلم.
(فصل)
أقول:- لقد وقع في الأحاديث التي تتضمن قصة موت عبد الله بن أبي بن سلول المنافق صورة اختلاف في الروايات ففي حديث ابن عمر أنه لما توفي عبد الله بن أبي سلول أتى ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه وأن يصلي عليه فأعطاه قميصه وصلى عليه وفي حديث عمر بن الخطاب من إفراد البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعى له ليصلي عليه. وفي حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه بعد ما أدخل حفرته فأمر به فأخرج فوضعه على ركبتيه ونفث عليه من ريقه وألبسه. قميصه ووجه الجمع بين هذه الروايات أنه صلى الله عليه وسلم أعطاه قميصه فكفن فيه ثم إنه صلى الله عليه وسلم صلى عليه وليس في حديث جابر ذكر الصلاة عليه فالظاهر والله أعلم أنه صلى عليه أولًا كما في حديث عمر وابن عمر ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه ثانيًا بعد ما أدخل حفرته فأخرجه منها ونزع عنه القميص الذي أعطاه وكفن فيه لينفث عليه من ريقه ثم إنه صلى الله عليه وسلم ألبسه قميصه بيده الكريمة فعل هذا كله بعبد الله بن أبي تطييبًا لقلب ابنه عبد الله فإنه كان صحابيًا مسلمًا صالحًا مخلصًا، وأما قول قتادة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاده في مرضه وأنه سأله أن يستغفر له وأن يعطيه قميصه وأن يصلي عليه فأعطاه قميصه واستغفر له وصلى عليه ونفث في جلده ودلاه في حفرته فهذه جمل من القول ظاهرها الترتيب وما المراد بهذا الترتيب إلا توفيقًا بين الأحاديث فيكون قوله: ونفث في جلده ودلاه في قبره جملة منقطعة عما قبلها، يعني أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك بعد ما أعطاه القميص وبعد أن صلى عليه والله أعلم.