لا والله، فليس بين هذين الحديثين ولا مطلق التعارض، بل هما متفقان غاية الاتفاق، والجمع بينهما أن يحملا على اختلاف الحال، وبيان ذلك أن نقول:- أن الإنسان إذا خطب امرأة وركن إليه أهلها ووافقت المخطوبة وركنت إليه ففي هذه الحالة لا يجوز الاعتداء على هذه الخطبة بخطبة أخرى، لأنها فساد وعرقلة لما تم، وحسد للخاطب الأول ولأنه سبق إليه ومن سبق إلى خطبة امرأة وركنت إليه وتم الاتفاق على أمور النكاح , وأما إذا تقدمت لخطبة امرأة ولم يركن إليها أهلها ولم يعطوك الإشارة الخضراء، ولم توافق بل هي لا تزال في طور الاستشارة والأخذ والرد والسؤال، ففي هذه الحالة لو خطبها رجل أخر فلا بأس وعلى ذلك يحمل حديث فاطمة فإنها لم تركن لا لأبي جهم ولا لمعاوية بل لا تزال في طور التردد والسؤال والاستشارة والتفكير، فلم تبد موافقتها لا هي ولا أهلها لأحد من الخطاب، ولذلك خطبها النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد لأنها لا تزال في هذه الحالة، وعلى ذلك فلا اضطراب بين الأحاديث ولا تناقض ولا اعتراض. والله أعلم.
(فصل)
إن قيل:- لقد ثبت في الشرع حرمة مال المسلم إلا بطيب نفس منه كما في قوله صلى الله عليه وسلم"إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا"وحديث"كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه"وحديث"لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه"كيف نجمع بين ذلك وبين حديث أبي هريرة مرفوعًا"لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره"ثم يقول أبو هريرة:- ما لي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم. فهذا الحديث فيه جواز غرز هذه الخشبة في جدار الجار ولو لم تطلب ذلك نفسه وجداره من ماله وقد جوز الشارع أن يتصرف فيه بلا إذنه فكيف ذلك؟ فأقول:- لا اختلاف ولا تناقض في ذلك ولله الحمد والمنة وبيان ذلك من وجوه:-
الأول:- عندنا قاعدة مفيدة جدا وهي من قواعد الأصول الكبرى وتقول هذه القاعدة (الخاص مقدم على العام) أي إذا ورد حديث بلفظ عام يدخل فيه أفراد