ارتدت عن الإسلام فإنها تقتل كما يقتل الرجل إن ارتد عن الإسلام، فإن العلة من قتل الرجل إنما هي ارتداده عن الإسلام والمرأة إن تحققت فيها نفس العلة وجب تحقق الحكم فيها، لأن المتقرر أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، ولأن المتقرر أن الشريعة لا تفرق بين متماثلين، كما أنها لا تجمع بين مختلفين، وعليه:- فلا يقال بأن الأحاديث هنا متعارضة، لأن التعارض لا يكون بين صحيح وضعيف، والله تعالى أعلى وأعلم.
(فصل)
لقد ثبت بالدليل القطعي الذي لا مجال للشك فيه أن النبي صلى الله عليه قد أمر بالكف عن من قال لا إله إلا الله، ولو كان في أرض المعركة، والأحاديث في هذا الشأن كثيرة، منها:- حديث الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ (هُوَ الْمِقْدادُ بْنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ) أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفّارِ، فَاقْتَتَلْنا، فَضَرَبَ إِحْدى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ قَقَطَعَها، ثُمَّ لاذَ مِنّي بِشَجَرَةٍ، فَقالَ أَسْلَمْتُ للهِ، أَأَقْتُلُهُ يا رَسولَ اللهِ بَعْدَ أَنْ قَالَها فَقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لا تَقْتُلْهُ، فَقالَ يا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ قَطَعَ إِحْدى يَدَيَّ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ ما قَطَعَها؛ فَقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقولَ كَلِمَتُه الَّتي قَالَ ... ومنها:- حديث أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلى الْحُرَقَةِ فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصارِ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَلَمّا غَشِينَاهُ قَالَ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، فَكَفَّ الأَنْصارِيُّ عَنْهُ، وَطَعَنْتُهُ بِرُمْحي حَتّى قَتَلْتُهُ؛ فَلَمّا قَدِمْنَا، بَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقالَ: يا أُسامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَما قَالَ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ، قُلْتُ كَانَ مُتَعَوِّذًا؛ فَما زَالَ يُكَرِّرُها حَتّى تَمَنَّيْتُ أَنّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ ... فإن هذه الأحاديث تقضي قضاء جازما بوجوب الكلف عن من قال لا إله إلا الله، وأنه لا يجوز التعرض له بالقتل، كيف هذا مع أننا نجد أن مسلما روى في الصحيح عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ:- كَانَتْ ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِى عُقَيْلٍ فَأَسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ