والحكم واحد، وقد تقرر في الأصول أن المطلق يحمل على المقيد عند الاتفاق في الحكم والسبب كما هو الحال هنا، فإن قلت:- حديث ابن عباس وما في معناه متأخر، فأقول:- نعم، هو كذلك لكن قد تقرر أن الصحيح أن بناء المطلق على المقيد لا ينظر فيه إلى سبق أحد منهما، بل يبنى المطلق على المقيد وإن كان الإطلاق هو المتأخر، كما قلناه في العموم والخصوص، فالعام يبنى على الخاص عند الجمهور وإن كان العام هو المتأخر، فكذلك المطلق والمقيد حتى وإن كان المطلق هو المتأخر، فإن قلت:- هذا إتلاف للمال، فأقول:- لا شأن ذلك بهذه المعارضة لما صح من النصوص وإنما عليك أن تقول:- سمعنا وأطعنا وإتلاف شيء يسير من المال بأمر الشارع، هذا عبادة وطاعة وقربة. مذهب الذي رحمته لكلا الدليلين ولم نهمل منم كلام الشارع شيئًا وقد تقرر أن إعمال الكلام أولى من إهماله لأنه يمكن إعماله، فإن قلت:- إنه قد سمعه في المناسك مع عدم ذكر اقطع من لم يسميه في المدينة وهو يأمر بالقطع؟ فأقول:- وإن يكن، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يلزمه إبلاغ الشرع لكل فرد من الأمة في زمانه بعينه، وإنما يكفي في تحقيق إبلاغ، أن يسمع الشريعة من تقوم بهم من الكفاية في التبليغ وقد سمعه في المدينة المهاجرين والأنصار الذي هم أفضل الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم، ويدل لهذا أن القضايا التفصيلية الواردة في حديث ابن عمر من قوله صلى الله عليه وسلم"لا يلبس القميص ولا العمائم ولا البرانس"لم يثبت دليل أنه صلى الله عليه وسلم قد قالها للناس في المناسك اكتفاء بما قيل سابقًا، فهل عدم قوله لها في المناسك دليل على عدم لزومها وأنها ليست من الشرع؟ بالطبع لا، فكذلك الأمر بالقطع، وبالجملة:- أن التعارض هنا يزال بقاعدة بناء المطلق على المقيد والله أعلم.
(فصل)
أقول:- اعلم رحمك الله تعالى أن الأمة اتفقت على أن طاعة ولاء الأمر إنما تكون في غير معصية وعليه فالأحاديث الآمرة بطاعتهم على الإطلاق مقيدة بالأحاديث الأخرى والتي تنص على أن الطاعة إنما تكون في المعروف، وعلى أن لا طاعة