فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 431

(فصل)

إن قيل:- أن من المعلوم المتقرر أنه"لا تزر وازرة وزر أخرى"كما في القرآن فكيف نجمع بين ذلك وبين حديث"إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه"وفي رواية"إن الميت ليعذب ببكاء الحي"وفي حديث"من نيح عليه يعذب بما نيح عليه"والميت لا ذنب له، فكيف يكون ذلك مع قوله تعالى السابق؟ فأقول , أولًا:- أجمع أهل العلم أن الله تعالى لا يعذب أحدًا بذنب أحد لا تعلق له به، وأجمعوا على تحريم النياحة على الميت، وأجمعوا على جواز البكاء على الميت بكاء لا صراخ فيه وإنما هو مجرد حزن القلب ودمع العين لا عويل ولا ندب ولا صراخ ولا ضرب خدود ولا شق جيوب ولا دعاء بدعوى الجاهلية ولا نتف شعر ولا غير ذلك من مظاهر الجزع والسخط على القدر وقلة الصبر، إذا علمت هذا فاعلم أن هذا التعذيب للميت في قبره يراد أحيانًا العذاب الجسدي ويراد به أحيانًا العذاب الروحي، وذلك يتضح في نقاط:-

الأولى:- إذا كان الميت هو بعينه أوصى أهله أن يبكوا عليه ويقيموا له ذكرى كل سنة يندبونه فيه ويتذكرونه ويتجدد لهم الحزن فيبكون بأمره ووصيته ورضاه، فهذا لا شك أنه يعذب في قبره إن لم يغفر الله له، لأنه بذلك آمر بمخالفة الشرع ومبتدع في الدين وهو بذلك يكون مستحقًا للعذاب.

الثاني:- أن يعلم يقينًا أو يغلب على ظنه أن أهله سيندبونه وينحون عليه لأن هذه أصلًا عاداتهم ومع ذلك يترك وصيتهم بعدم فعل ذلك، فهذا مفرط في الواجب ومتساهل في وقوع المحرم ومن كان كذلك فهو مستحق للعقاب، وعليه فيجب على من علم أو غلب على ظنه نياحة أهل عليه أن يوصي باجتنابها ويحذرهم منها.

الثالث:- أن يكون هذا الميت من سن النياحة على أموات أسرته أو حيه مثلًا وهو الذي قرر فيها أو جعل فيها عادة لهم في بكاء أمواتهم، فإن هذا الذي سن في الإسلام سنة سيئة إذا مات فعليه وزر سنته هذه ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيء كما في حديث"ما قتلت نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت