فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 431

ولا مقدر إلا هو جل وعلا، ونظر باعتبار أسبابه، فلا جرم أنه بما كسبت أيدي العباد، فالكفار كانوا إن جاءهم خير من صحة وعافية ونعمة ونصر ومطر وازدهار مال، قالوا:- هذا لنا، فبين الله تعالى لهم أنه إنما هو فضل الله تعالى المحض، وإن جاءهم شر من أمراض وموت ومصائب وقحط وهزيمة، قالوا:- إنما هو بسبب الرسل ووجودهم بيننا لأن الله تعالى قال فيهم {يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ} أي أنهم ينسبون الشر الحاصل إلى وجود موسى والمؤمنين بين ظهرانيهم، فبين الله تعالى أن ما أصابهم من الشر إنما هو من عند أنفسهم وبما كسبته أيديهم، وأنه لا دخل لموسى ولا لأصحابه من أهل الإيمان، وإنما هو شيء من عند الله تعالى أجراه عليهم عقوبة ونكالا بهم لما تنكبوا عن الإيمان به، وحاربوا رسله، فالأمر بهذا قد اتضح إن شاء الله تعالى، فقوله {طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهِ} أي خلقا وتقديرا وإيجادا، وقوله {طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} تحصيلا واكتسابا وتسببا، والله أعلم.

(فصل)

إن قيل:- روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال"أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء"فهذا يفيد أن الدماء أول ما يقضى على الناس به يوم القيامة، كيف وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح"أول ما يحاسب عليه العبد من عمله يوم القيامة الصلاة"فكيف الجمع بين هذا وذاك؟ فأقول:- الأمر واضح لا خفاء فيه ولله الحمد والمنة، وقد حاول أهل العلم الجمع بين هذا فقالوا: الأول:- أن الحقوق قسمان:- حقوق لله تعالى، وحقوق للعباد، فالصلاة من حقوق الله تعالى، والدماء من الحقوق التي تدور بين الآدميين، فعلى هذا:- أول ما يحاسب عليه المرء من عمله الصلاة أي باعتبار حقوق الله تعالى، فإن أول ما يقع النظر في حقوق الله تعالى يقع على الصلاة، وأما باعتبار حقوق الآدميين، فأول ما يقضى بين الناس فيه الدماء، والمراد القتل والقصاص ونحوها، وعلى هذا فلا بد من التفريق بين الحقوق والله أعلم. الثاني:- قالوا:- أن عندنا أمرين:- محاسبة وقضاء، فالمحاسبة هي النظر في الأعمال، والقضاء هو نتيجة هذا النظر, أي البدء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت