وإن لم يفعلها، فالحق أن يقال: الهجرة هجرتان، هجرة معنوية، وهجرة حسية وكلاهما مطلوب. والثانية متضمنة للأولى ولاشك، والله أعلم.
(فصل)
من المعلوم المتقرر في الشرع أن الكسوف من آيات الله تعالى وأنه يخوف بهما عباده، وهما من أمور الغيب، ولكن كيف نجمع بين هذا وبين معرفتهما بالحساب الدقيق، فإن الحسابين يعرفون متى حدوث الخسوف أو الكسوف قبل حصوله بأزمنة طويلة، فكيف هذا؟ والجواب:- أنه لا تعارض من كون الكسوف والخسوف آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده، وبين أن يكون لهما وقت محدد يعرف بالحساب، لأمرين, الأمر الأول:- أن الأحاديث ليس فيها إلا نفي تأثير الكسوف في الموت والحياة على أحد القولين، أو نفي تأثير النيرين بموت أحد أو حياته على القول الآخر وليس فيه تعرض لإبطال حساب الكسوف، ولا الإخبار بأنه الذي لا يعلمه إلا الله، الأمر الثاني:- أن الكسوف إذا كان له أجل مسمى لم يناف ذلك أن يكون عند أجله يجعله الله سببًا لما يقتضيه من عذاب وغيره لمن يعذب الله في ذلك الوقت، كما أن تعذيب الله لمن عذبه بالريح الشديدة الباردة -كقوم عاد- كان في آخر الشتاء، وما رواه البخاري رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى مخيلة في السماء أقبل وأدبر ودخل وخرج وتغير وجهه، فإذا أمطرت السماء سري عنه فعرفته عائشة فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"وما أدري لعله كما قال قوم {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ ... } وكذلك الأوقات التي ينزل الله فيها الرحمة كالعشر الأواخر من رمضان والأولى من ذي الحجة، وكجوف الليل وغير ذلك، هي أوقات محددة لا تتقدم ولا تتأخر، وينزل فيها من الرحمة ما لا ينزل في غيرها، ولا يلزم ممن يخبر بالكسوف والخسوف أن يكون مصيبًا في جميع الأوقات، بل قد يخطئ في حسابه، ولا يلزم تصديقه على كل حال، فمن هذا نجد أن الكسوف والخسوف ليالي معتادة جرت بها سنة الله الكونية من عرف جريان النيرين عرفها كما أن من علم كم مضى من الشهر علم أن الهلال يطلع في الليلة الفلانية، لكن العلم بالعادة في الهلال علم"