والإدراك، فالمثبت بالأدلة إنما هو الرؤية، والمنفي في الأدلة إنما هو الإحاطة والإدراك, والأمر واضح، ونسأل الله تعالى الهداية والتوفيق. والله أعلم.
(فصل)
إن قيل:- كيف نجمع بين قول الله تعالى {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهِ} فإن هذه الآية فيها أن الأمور من الشؤم والحظ بيد الله تعالى، مع أن الله تعالى يقول عن بعض أنبيائه أنهم قالوا لقومهم {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم} وهذه الآية تفيد أن الحظ بيد هؤلاء وأن الشؤم منهم، فكيف في آية يوصف بأن الحظ من عند الله تعالى، وفي الآية الأخرى تقول:- إنه من عند أنفسكم؟ فكيف الحال في ها الأمر؟ فأقول:- أبدا، ليس بين الآيات في هذه المسألة أي تناقض ولا أدنى، أدنى أدنى مثقال حبة من إشكال، ولكن لا بد وأن يتم الفهم على مقتضى مذهب أهل السنة والجماعة وذلك لأن العقيدة لا تكون صحيحة إلا إن أخذت من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على مقتضى فهم سلف الأمة، فإن هذه الآيات لو فهمت على فهم سلف الأمة، لما حصل عند الناظر فيها أي تعارض ولا أي إشكال، وبيان هذا أن يقال:- إن الشؤم لنا فيه نظران:- نظر من ناحية إيجاده وتقديره وخلقه، ونظر من ناحية اكتسابه والتسبب فيه، فأما بالنظر الأول فإن الله تعالى هو المقدر لكل شيء، والخالق لكل شيء، فقوله تعالى {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهِ} هذه النسبة إنما هي نسبة تقدير وإيجاد وخلق، وأما قوله تعالى {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} إنما هي نسبة تحصيل وتسبب واكتساب، ذلك لأن فعل العبد لنا فيه نظران، نظر باعتبار تقديره وخلقه ونظر باعتبار تحصيله واكتسابه، ففعل العبد ينسب إلى الله تعالى تقديرا وإيجادا وخلقا، وينسب إلى العبد تحصيلا واكتسابا، فأصل الطيرة إنما هي قدر من أقدار الله تعالى وهي من جملة مخلوقاته، فهي إلى الله تعالى خلقا وتقديرا وإيجادا، ولكن لفعل العبد دور في ذلك، فالله تعالى يقدر على العبد الضرر بسبب ما كسبته يداه، كما قال تعالى {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} فظهور الفساد في البر والبحر لنا فيه نظران:- نظر باعتبار تقديره وخلقه وإيجاده، فهو من الله تعالى، لا خالق غيره ولا رب سواه