(الدهر) أي الله لأنهم ينكرون وجوده أصلًا وإنما يقصدون بالدهر تصرم الليالي والأيام، فالدهر عند هؤلاء ليس هو الله وإنما هو الزمان، هذا أولًا، وثانيًا:- أن نسبة الدهر إلى الله في الحديث ليست نسبة اسم ولا نسبة وصف وإنما هي نسبة تصريف وتسيير وتدبير وتقليب بدليل قوله (وأنا الدهر بيدي الأمر وأقلب الليل والنهار) [1] وعلى هذا فلا إشكال ولله الحمد.
(فصل)
إن قيل:- لقد تقرر باتفاق أهل السنة نفي صفات النقص عن الرب جل وعلا، ووصفه بكمال أضدادها، لأن الله له المثل الأعلى في السماوات والأرض , فكيف نجمع بين هذا وبين حديث (عبدي جعت فلم تطعمني ... مرضت فلم تعدني ... استسقيتك فلم تسقني) [2] وهذه صفات وحقها أن تنفي عنه جلا وعلا فكيف ورد هذا الحديث هذا بإثباتها؟ فيقال:- لا تعارض في ذلك البتة بل هو متفق مع عقيدة أهل السنة كل الاتفاق وهذا الحديث حديث رفيع شريف فيه إبراز مكانة الأولياء عند الرب جل وعلا , وأن لهم عنده مقامًا رفيعًا ومنزله سامية عالية، وقد أخذ السلف بهذا الحديث ولم يصرفوه عن ظاهره بتحريف ولا تعطيل يفسد روعته ويذهب جماله، وهذا الحديث يفسر بعضه بعضًا، فإن قوله (مرضت فلم تعدني) [3] لا يقصد به مرض الرب، وإنما يقصد مرض وليه المؤمنين وذلك بقوله (أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدت ذلك عندي) وكذلك قوله (جعت فلم تطعمني) [4] فإنه لا يقصد جوع الرب جل وعلا وإنما يقصد به جوع العبد بدليل قوله (أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك أو أطعمته لوجدت ذلك عندي) وكذلك قوله (استسقيتك فلم تسقني) فإنه ليس المراد بذلك ظمأ الرب جلا وعلا، فإنما يراد ظمأ العبد
(1) تقدم تخريجه.
(2) رواه مسلم كتاب البر والصلة، باب فضل عيادة المريض 6721، والبخاري في الأدب المفرد 517 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) تقدم تخريجه
(4) تقدم تخريجه