(فصل)
الحمد الله الذي آلف بين أدلة الشريعة، فجعلها متفقة لا متفرقة، ومؤتلفة لا مختلفة، والحمد الله الذي من علينا بالفهم وحسن النظر فيها، وجعل قلوبنا صافية تجاه الأدلة من الكتاب والسنة أحمده سبحانه وأشكره وأستعينه وأستغفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرًا، ثم بعد:-
فإنني بحمد الله قرأت غالب الكتب المؤلفة في إزالة وجوه الإشكال المدعاة بين أدلة الشريعة كتابًا وسنة، وقد استفدت مما قال مؤلفها الفوائد العظيمة، ونهلت منهًا معينًا صافيًا عذبًا زلالًا، وقد علقت على بعضها لبعض الفوائد في ذكر بعض الأوجه أو التعقيبات على بعض الأوجه، ورأيت أن أكتب في ذلك مؤلفًا يجمع ما قالوه ويختصر ما ذكروه ويضيف عليها بعض الزيادات التي يفتحها الله على عبده الضعيف العاجز الفقير، أو سميت هذه الوريقات (الأجوبة المنيعة في الذب عن أدلة الشريعة) والله أسأل أن ينفع به ويبارك فيه إنه خير مسئول وإلى المقصود فأقول:-
إن قيل:- كيف نجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم"لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله"وبين قوله تعالى بعد ذكر عدة أصناف من نعيم الجنة {جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {السجدة 17} فالحديث ينفي أن يكون الجنة مستحقة بالعمل والآية تثبت ذلك، فأقول لا معارضة ولله الحمد وبيان ذلك أن يقال:- إن الباء في حديث في قوله (بعمله) هي باء العوض أي أن الجنة ليست عوضا لعمل أحد كائنًا من كان لأنها أعلى وأكبر وأعظم من أي عمل، وأما الباء في قوله {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {السجدة 17} هي باء السببية، أي بسبب أعمالهم، وعليه:_ فالجنة ليست عوضًا عن العمل، وإنما العمل سبب من أسباب دخولها والله أعلم.