تقرر عند أهل السنة أنه لا يحلف بمخلوق وبين قوله صلى الله عليه وسلم"أفلح وأبيه إن صدق"؟ أقول:- لا إشكال في ذلك ولله الحمد والمنة، وذلك أن لفظة (وأبيه) شاذة والشاذ قسم من أقسام الضعيف لأن الثقة التي زادها وهو إسماعيل بن جعفر قد خالف جمعًا كبيرًا من الثقات كلهم رووها بلا هذه اللفظة وهو قتيبة بن سعيد وإسماعيل بن عبد الله وعبيد الله بن مسلمة وعبد الرحمن بن القاسم وعبد الله ابن نافع ومحمد بن إدريس الشافعي، ومطرف بن عبد الله وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن أبي بكر الزهري، ومعن بن عيسى، فكل هؤلاء الثقات رووه عن مالك عن أبي سهيل عن أبيه عن طلحة ... الحديث, فكيف تقاوم زيادة إسماعيل بن جعفر رواية هؤلاء الثقات الأعلام، فلا شك أن زيادة إسماعيل بن جعفر هذه زيادة شاذة أي غير محفوظة، بل أن إسماعيل بن جعفر نفسه روى هذا الحديث مرة بلفظ"أفلح إن صدق"بلا هذه اللفظة وهذا يدلك على صحة ما ذكرناه من أنها شاذة والشاذ ضعيف، وعليه فلا إشكال ولله الحمد.
(فصل)
إن قيل:- كيف نجمع بين الأحاديث المختلفة بأمر الكي، فأحاديث تجيزه بل وتخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله بنفسه، فقد كوى سعد بن معاذ في أكحله، وأرسل إلى أب كعب طبيبًا فقطع منه عرقًا وكواه، وأحاديث تفيد أنه صلى الله عليه وسلم كان يكرهه ولا يحبه وأنه أثنى على تركه كحديث"وما أحب أن أكتوي"وحديث السبعين ألفًا"ولا يكتوون أمتي على الكي"فتقول:- لا يتعارض في ذلك ولله الحمد والمنة، فهي متفقة وليست مفترقة ومتآلفة وليست مختلفة وبيان ذلك أن نقول:- إن أحاديث الفعل وبيان أنه نوع من الشفاء دليل على جوازه، فالكي جائز في الأصل، وبشرط قيام الحاجة الداعية إليه وأن لا يمكن الاستغناء عنه بغيره من الأدوية مع اعتقاد أن الله تعالى هو وحده الشافي وأن الكي مجرد سبب فقط فالكي جائز إذا توفرت هذه الشروط وأحاديث عدم محبته وأنه يكرهه وأحاديث الثناء على تركه إنما تفيد كراهته فقط، وهذا فيما أمكن الاستغناء عنه بغيره، وأحاديث التحريم تحمل على حالات خاصة كالكي قبل نزول البلاء مثلًا،