هذه الأحاديث؟ فأقول:- لا إشكال ولله الحمد والمنة وذلك بحمل النهي في حديث الحكم بن عمرو الغفاري والذي بعده على نهي الكراهة التنزيه لا على التحريم، وذلك لأن الأصل في التحريم ولا شك، لكن هنا وردت قرينة تصرف هذا النهي عن بابه من التحريم إلى الكراهة وهي الأحاديث الأخرى فيكون استعمال فضل طهور المرأة مكروها من باب التنزيه مع وجود غيره، فإن قلت:- لماذا لا تحمل أحاديث اغتسال النبي صلى الله عليه وسلم من فضل بعض نسائه على الخصوصية به؟ فأقول:- لأنه قد تقرر في القواعد أن كل حكم ثبت في حق النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يثبت في حق الأمة تبعًا إلا بدليل الاختصاص، وتقرر أن الخصائص خلاف الأصل إلا بدليل، لأن الأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل، ولأنه صلى الله عليه وسلم علل جواز الاستعمال بعدها بقوله"إن الماء لا يجنب"وهذا التعليل يفيد دخول غيره معه، فتأمل ذلك تجده صحيحًا، لأنه لو كان من خصوصياته لعلل ذلك بها، لكنه قال"إن الماء لا يجنب"وهذا واضح. فإن قلت:- ولماذا خضعت هذه الكراهة بوجود غيره؟ فأقول لأنه إن لم يوجد إلا هو فإن الحاجة إليه ترفع الكراهة، وقد تقرر في القواعد أن الكراهة ترتفع بالحاجة والله أعلم.
(فصل)
إن قيل:- لقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال"وكسب الحجام خبيث"فهذا يفيد النهي عن كسبه، كيف ذلك وأنه قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام دينارًا فكيف يقول:- كسبه خبيث، ثم يعطيه أجرته؟ فأقول:- إن قوله"كسب الحجام خبيث"يقتضي تحريم هذا الكسب فلو لم يرد إلا هذا الحديث لقلنا بتحريم كسب الحجام، ولكن لما احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام دينارًا عرفنا بذلك أن كسبه ليس بمحرم إذ لو كان حرامًا لما أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا محرمًا، فلما زال التحريم ثبتت الكراهة، لا سيما في حق الأحرار، وبه تعلم أن قوله"خبيث"هنا لا يراد به الحرام وإنما يراد به الدناءة والكراهة، أي الخبيث المعنوي لا الحسي، فيكون الحديث إعطاء الحجام دينارًا