(فصل)
إن قيل:- كيف نجمع بين حديث"كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار"رواه أبو داود بسند صحيح من حديث جابر رضي الله عنه، فهذا الحديث يقضي بأنه لا وضوء يجب مما تمسه النار، وبين حديث الأمر بالوضوء من لحم الإبل، كما في حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم:- أأتوضأ من لحم الغنم؟ قال"إن شئت توضأ وإن شئت فلا تتوضأ"قال:- أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال"نعم توضأ من لحوم الإبل"وفي حديث البراء"توضؤا من لحوم الإبل"ولحم الإبل مما تطبخ على النار فكيف ذلك؟ فأقول:- لا إشكال في ذلك لأن الحديث الأول حديث عام والحديث الثاني حديث خاص وقد تقرر في قواعد الأصول أن العام يبنى على الخاص، وعليه:- فلا يجب الوضوء مما تمسه النار عملًا بحديث جابر بن عبد الله إلا لحم الإبل عملًا بحديث البراء، وجابر بن سمرة، فأكل لحوم الإبل من نواقض الوضوء، وهو مذهب أحمد ومحمد بن إسحاق وابن المنذر وابن خزيمة وابن حزم واختاره النووي وابن تيمية وغيرهم من المحققين، وهو وإن كان مخالفًا لمذهب الجمهور إلا أن الحق لا يعرف بقلة ولا كثرة بل الحق ما وافق النص، فالحق مع الإمام أحمد وإن كان الجمهور على خلافه ولا نقول بالنسخ هنا لأن النسخ لا يقال به عندنا إلا بعد تعذر الجمع والجمع هنا ممكن يحمل العام على الخاص، وقد تقرر أن العمل بكلا الدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكن. والله أعلم.
(فصل)
إن قيل:- كيف نجمع بين حديث"توضأ مما مست النار"وبين حديث"أكل النبي صلى الله عليه وسلم كتف شاة ثم دعي إلى الصلاة فألقى السكين فصلى ولم يتوضأ"وحديث " كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار؟ فأقول:- إن الأمر في قوله"توضأ مما مست النار"للوجوب وما كان عليه الحال في أول الأمر، ثم خفف الله على عباده وجوب الوضوء مما مست النار " وقد تقرر عندنا أنه إذا نسخ الوجوب ثبت الاستحباب، فيحمل حديث"توضأ مما مست النار"على