إخبار عن ما قام في نفسه فقط وذلك لأنه لا يعلم الغيب فإنه في حال يأسه لم يكن يعلم أنه سيعبد مرة أخرى لأنه جاهل بالغيب لا يعلم منه شي كما قال تعالى {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} فالجن أباه ذرية لا يعلمون شيئًا من الغيب، ولو كان إبليس حال يأسه يعلم أنه سيعبد في جزيرة العرب لما خالط قلبه اليأس، ولذلك في الحديث"أيس الشيطان"فهو يأس صادر منه هو، ولم يقل:- إن الله أيس الشيطان، وهناك فرق بين التعبيرين، وهذا الأحاديث من الأدلة الدافعة الدالة على أن الشيطان وذريته لا يعلمون من الغيب شيئًا، فالشيطان ظن أنه لن يعبد ولكن الأمر وقع من الله تعالى قدرًا كونيًا على خلاف ظنه، الخامس:- أن الحديث فيه"أيس أن يعبد المصلون"أي المؤمنون في جزيرة العرب وهم المصدقون بما جاء به الرسول المذعنون لأوامر الله تعالى الذين هم على نور وبصيرة واتصال بالله تعالى في صلاتهم وتعبداتهم، ويبقى سائر الخلق لا يدخلون في هذا الأحاديث، فالحديث إذا ليس حكمًا عامًا في كل واحد وإنما هو في المصلين المحافظين على دينهم وعقيدتهم وإيمانهم وشعائرهم وأما المفرطون التائهون في بحار الشهوات والغارقون في مستنقعات الشبهات فهؤلاء لم ييأس منهم، فالحديث"إن الشيطان أيس"إنما هو في طائفة من الخلق فقط لأنه قال"أن يعبد المصلون"وقال"في جزيرة العرب"والأحاديث الأخرى إنما هي في الذين ابتعدوا عن منهج الله وتركوا صلاتهم، وفرطوا فيها وأهملوا فيها الاستمساك بغرز الشريعة فحديث يأس الشيطان إنما هو في طائفة من الخلق، والأحاديث الأخرى في طوائف أخرى من الخلق فلا تعارض بينهما ولله الحمد، والله ربنا أعلم وأعلى.
(فصل)
إن قيل:- كيف نجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم"لا يقل العبد ليسده مولاي فإن مولاكم الله عز وجل"وبين حديث"لا يقل أحدكم أطعم ربك وضئ ربك، اسق ربك، وليقل:- سيدي مولاي"فالحديث الأول فيه النهي عن العبد لسيده مولاي، والحديث فيه بيان جواز ذلك؟ فكيف حديث ينهى وحديث يجيز؟ فقل