(فصل)
إن قيل:- عندنا في حديث أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفع فإن أبى فليقاتله فإنه شيطان"متفق عليه، فهذا يفيد أن المدافعة والمقاتلة إنما في حق من صلى إلى شيء يستره، ويفهم منه أنه من لم يصل إلى سترة فلا حق له في المدافعة ولا المقاتلة لأنه مفرط، فهذا الحديث مقيد بالسترة، كيف ذلك مع حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال"إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحد يمر بين يديه فإن أبى فليقاتله فإن دمه القرين"رواه مسلم، وهذا أمر بالمدافعة ولم يشترط السترة فكيف ذلك؟ فأقول:- اختلف أهل العلم في ذلك فذهب بعضهم إلى وجوب المدافعة مطلقًا سواء صلى إلى سترة أولًا، وذهب الأكثر إلى تقييد المدافعة، في حديث ابن عمر في الصلاة إلى سترة الواردة في حديث أبي سعيد، وهو الحق في هذه المسألة، ذلك لأن حديث ابن عمر حديث مطلق وحديث أبي سعيد حديث مقيد والسبب واحد والحكم واحد، وقد تقرر عند العلماء أن المطلق يبنى على المقيد عند الاتفاق في الحكم والسبب كما هو في حال هنا فحق المدافعة إنما هو في حق من صلى إلى شيء يستره من الناس، وأما من أهمل وفرط ولم يتخذ السترة فلا حق له في المدافعة وعلى ذلك فلا إشكال ولله الحمد والمنة.
(فصل)
إن قيل:- لقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المحرم إن لم يجد النعلين يلبس الخفين، لكن ورد الأمر بقطعهما في حديث ابن عمر"إلا أحد لا يجد النعلين فيلبس الخفين وليقطعهما حتى يبكونا أسفل من الكعبين"فهذا أجاز للمحرم لبس الخفين بشرطين , الأول:- أن لا يجد النعلين، الثاني:- أن يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين، بينما نجده في حديث ابن عباس أجاز له لبس الخفين حال عدم وجود النعلين ولم يأمره بالقطع"من لم يجد النعلين فليلبس الخفين"وكلها أحاديث صحيحة فكيف ذلك؟ فأقول:- هذا على المقيد، فحديث ابن عباس وما كان في معناه أحاديث مطلقة وحديث ابن عمر حديث مقيد بالقطع والسبب واحد