سئل الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى عن معنى هاتين الآيتين وهل بينهما تعارض الآية الأولى من سورة السجدة يقول الله تعالى {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) والآية الثانية من سورة المعارج إذ يقول الله تعالى تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} ؟ فأجاب رحمه الله تعالى بقوله (قبل الإجابة على هذا السؤال أود أن أبين أنه ليس في كتاب الله ولا في ما صح عن رسول صلى الله عليه وسلم تعارض أبدًا وإنما يكون التعارض فيما يبدو للإنسان ويظهر له إما لقصور في فهمه أو لنقص في علمه وإلا فكتاب الله وما صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم ليس فيهما تعارض إطلاقًا قال الله تعالى {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} فإذا بدا لك أيها الأخ شيء من التعارض بين آيتين من كتاب الله أو حديثين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بين آية وحديث فأعد النظر مرة بعد أخرى فسيتبين لك الحق ووجه الجمع فإن عجزت عن ذلك فاعلم أنه إما لقصور فهمك أو لنقص علمك ولا تتهم كتاب الله عز وجل و ما صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم بتعارض وتناقض أبدا وبعد هذه المقدمة أقول إن الآيتين اللتين أوردهما السائل في سؤاله وهما قوله تعالى في سورة السجدة {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} وقوله في سورة المعارج {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} الجمع بينهما أن آية السجدة في الدنيا فإنه سبحانه وتعالى يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقدار هذا اليوم الذي يعرج إليه الأمر مقداره ألف سنة مما نعد لكنه يكون في يوم واحد ولو كان بحسب ما نعد من السنين لكان عن ألف سنة وقد قال بعض أهل العلم إن هذا يشير إلى ما جاء به الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام"أن بين السماء الدنيا والأرض خمسمائة سنة"فإذا نزل من السماء ثم عرج من الأرض فهذا ألف سنة وأما الآية التي في سورة المعارج فإن ذلك يوم القيامة كما قال تعالى {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ(1) لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِنْ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ} فقوله {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ} هذه لقوله {الْمَعَارِجِ} وقوله (في يوم) ليس متعلقًا بقوله تعالى {الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} لكنه متعلق بما قبل ذلك وقوله {بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِنْ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} فيكون هذا العذاب الذي يقع للكافرين في هذا اليوم الذي مقداره خمسين ألف سنة وهو قوله {لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِنْ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} هي جملة معترضة وبهذا تكون آية المعارج في يوم القيامة وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة في قصة مانع الزكاة (أنه يحمى عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) فتبين بهذا أنه ليس بين الآيتين شيء من التعارض لاختلاف محلهما والله أعلم)
(فصل)
إن قيل:- لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن مدحه وقال له (أنت سيدنا) قال النبي صلى الله عليه وسلم له"إنما السيد الله"مع أنه صلى الله عليه وسلم قال في حديث الشفاعة"أنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر"فكيف ينهى عن وصفه بالسيادة تارة، ويخبر عن نفسه بأنه سيد الناس يوم القيامة؟ فأقول:- لا تعارض بين الروايات ولله الحمد والمنة وبيانها أن يقال:- إن العلماء رحمهم الله تعالى قد جمعوا بين هذا من عدة أوجه , الأول:- أن المنهي عنه هو إطلاق السيد عليه من باب التسمية فقط، وعليه يحمل حديث"إنما السيد الله"وأما إطلاقها على النبي صلى الله عليه وسلم من باب الوصفية فلا حرج فيه، وعليه حديث"أنا سيد الناس ولا فخر"وباب الاسمية يختلف عن باب الوصفية، الثاني:- أن السيادة سيادتان، السيادة المطلقة العامة، ومطلق السيادة، فأما السيادة المطلقة العامة فإنها من خصائص الله تعالى، وعلى ذلك حديث"إنما السيد الله"وأما مطلق السيادة فإنها ثابتة له صلى الله عليه وسلم وعليها يحمل حديث"أنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر"فالمنفي هو السيادة المطلقة، والمثبت هو مطلق السيادة، والفرق بين مطلق الشيء والشيء المطلق معلوم لا يخفى، الثالث:- قالوا:- إن هذه السيادة، يعني