يوضح لك أن الأوزار الأخرى التي حملوها مع أوزارهم إنما هي أوزار من أضلوهم وتسببوا في إغوائهم وإبعادهم عن طريق الهدى، وأما الآيات التي فيها أنه لا يحمل أحد وزر أحد، فهي واضحة الدلالة بأن الله تعالى لا يظلم أحدا بأن يحمله وزر أحد بلا سبب ولا مقتض، فالتحميل بلا سبب هو المنفي، والتحميل بالسبب هو المثبت، وعلى هذا فلا إشكال ولله الحمد والمنة، وأقسم بالله تعالى أنه ليس بين الأدلة الصحيحة أي اختلاف أو تعارض، والله ربنا أعلى وأعلم.
(فصل)
إن قيل:- كيف نجمع بين قول الله تعالى عن ريح سليمان أنه {تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ} فهنا أثبت الله تعالى أنه حيث أراد من الجهات فإنها تجري به إليها، مع أن الله تعالى قال {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} وهذه الآية تفيد أن الله تعالى سخرها له إن كان يريد جهة معينة، وهي جهة بيت المقدس خاصة، فكيف الجمع بين هذا؟ والجواب:- لا إشكال ولا تعارض بينهما ولله الحمد، وبيان هذا أن نقول:- إن الله تعالى سخر الريح لنبيه وعبده سليمان عليه السلام تجري به في حيث أراد من الجهات، ومن الجهات جهة بين المقدس، وهذا يسميه العلماء (ذكر العام ببعض أفراده) والمتقرر في الأصول أن ذكر العام ببعض أفراده لا يعتبر تعارضا ولا تخصيصا، كأن أعطيك سيارة وأقول لك:- سر بها في أي جهة أردت ثم أقول لك بعد هذا:- اذهب بها إلى مكة، فإن التعبير الأول لا يتعارض مع التعبير الثاني، لأن التعبير الأول العام، والتعبير الثاني تعبير خاص، ولكن هذا الخاص بعض أفراد العام، وهذا لا تعارض فيه ولا تناقض، ويقال أيضا:- إن غالب الجهات التي يقصدها نبي الله تعالى سليمان عليه السلام هي جهة بيت المقدس، فعبر بالخاص من باب التغليب فقط، وعلى ذلك فلا إشكال، والله الحمد والمنة، وهو أعلى وأعلم.
(فصل)
وهو في نفس الآيتين السابقتين، ولكن من وجه آخر، وهو أن يقال:- إن الله تعالى قد وصف ريح سليمان عليه السلام بأنها عاصفة، والريح العاصف هي الريح