خصوصية الاستقلالية في شريعتنا، هذا لم يقله أحد، هذا أمر، وقد يقال أيضا:- إن المراد بقوله تعالى {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} أي فيما يخص مسائل التوحيد والعقيدة، فإن من المعلوم المتقرر عند كافة أهل السنة رحمهم الله تعالى أن دين الأنبياء واحد، فالنبي صلى الله عليه وسلم مأمور باتباع من قبله في مسائل التوحيد، لأن كافة الأنبياء قد بعثوا بعقيدة واحدة، كما قال النبي صلى الله عليه"نحن معاشر الأنبياء إخوة من علات، ديننا واحد وشرائعنا مختلفة"وعلى هذا فيكون قوله تعالى {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} أي في مسائل العقيدة العلمية، وقوله {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} أي في مسائل الفقه العملية، وعلى الجمعين فلا تعارض بين الآيتين ولله الحمد والمنة، والله أعلم.
(فصل)
إن قيل:- إن الدليل قد أثبت أن الكفار يوم القيامة لا يكتمون الله تعالى حديثا، كما قال تعالى {وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا} ولكن هذا يعارضه آيات أخرى تفيد أن الكفار يراوغون ويكذبون ويخبرون بخلاف الحقيقة والواقع، كما في قوله تعالى {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} وقوله تعالى {فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ} وقوله {بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا} فكيف لا يكتمون الله تعالى حديثا وهم هنا يكذبون ويراوغون ويخبرون بخلاف الحقيقة والواقع؟ فأقول:- لقد تقرر عندنا أن أدلة الكتاب والسنة لا يجوز فهمها إلا على مقتضى فهم سلف الأمة، وأنه لا خير في فهم لأحد في الأدلة عارض به فهم سلف الأمة، بل المتقرر عندنا معاشر أهل السنة والجماعة أن كل فهم يخالف فهم سلف الأمة في الأدلة فهو فهم باطل، ورأي عاطل، مردود على صاحبه، لأنه في حقيقته إحداث في الدين، والمتقرر أن كل إحداث في الدين فهو رد، وعلى هذا نقول:- المروي عن ابن عباس رضي الله عنه وعليه كثير من المفسرين أن التكذيب إنما يكون باللسان فقط، أي أن الكفار إن مكنوا من الكلام بألسنتهم فإنه يكذبون ويخبرون بخلاف الحقيقة، ولكن الله تعالى يختم على أفواههم، وتتكلم الأيدي والأرجل والجلود فلا تكتم الله تعالى شيئا من الحديث، وعليه، فالتكذيب إنما