(فصل)
إن قيل:- لقد وصف الله تعالى القرآن بأنه هدى للمتقين، قال تعالى {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} فهو يفيد أنه إنما يكون هدى للمتقين خاصة، مع أن الله تعالى قال في محكم كتابه في آيات الصيام من سورة البقرة {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ} فكيف هذا؟ فأقول:- لا إشكال وذلك لأن الهداية هدايتان:- هداية التوفيق والإلهام، وهداية الدلالة والإرشاد، فالقرآن هدى للمتقين هداية توفيق وإلهام، وهدى للناس هداية دلالة وإرشاد، وعلى هذا فلا إشكال ولله الحمد والمنة، والله أعلم.
(فصل)
إن قيل:- لقد تقرر عند أهل العلم رحمهم الله تعالى أن مسائل العقيدة لا بد فيها من اليقين، وأن الظن لا يغني فيها من شيء كما قال تعالى {وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} كيف هذا وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم في مدح أهل الإيمان {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} فهذا الظن ممدوح هنا، وقد ذمه الله تعالى في آيات كثيرة، فكيف هذا؟ فأقول:- إن الظن في القرآن، بل وفي كلام العرب يستعمل على وجهين:- فيراد به القطع أحيانا، ويراد به غير هذا فالظن المذكور في قوله تعالى {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ} إنما هو الظن الذي يراد به القطع كقوله تعالى {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَة} الآية. وقوله تعالى {وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا} أي أيقنوا وقوله تعالى {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ} أي أيقنت. ومجيئه في القرآن كثير , بل هو في كلام العرب كثير في أشعارهم، فالظن هنا هو الظن بمعنى اليقين، وعلى هذا فلا اختلاف ولا تعارض، لأن الظن المذموم هو ذلك الظن المبني على التخرص والهوى والظنون الكاذبة التي لا يؤيدها دليل من الشرع، وأما الظن الممدوح فإنه الظن المبني على دليل الشرع، بل كل ظن مدحه الله تعالى فإنه لا يريد به إلا الظن الذي يأتي بمعنى اليقين، والله أعلم.
(فصل)