فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 431

أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة) [1] متفق عليه ولفظ مسلم، فكيف يحتج أدم هنا بالقدر على أكله من الشجر الذي هو ذاته معصية؟ فأقول:- لا تعارض في هذا ولله الحمد وذلك أن الاحتجاج هنا بالقدر ليس على فعل المعصية وإنما كان الخروج من الجنة، والخروج منها من أعظم المصائب فالاحتجاج في القدر في المصائب لا في المعائب، فهو داخل في حديث (وإن أصابك شيء فلا تقل لو إني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قل:- قدر الله وما شاء فعل) [2] فهذا جواب سديد محكم لا تكلف فيه، وقد يقال:- إن الاحتجاج بالقدر يجوز على فعل المعصية التي قد تاب منها وصدقت توبته، لأنه بذلك الاحتجاج لايعطل به أمرًا ولا نهيًا، إنما يحرم الاحتجاج بالقدر إذا كان المحتج به لا يزال يقارف المعصية ويريد بهذا الاحتجاج أن يسوغ لنفسه ارتكاب هذه المعصية، وأما من تاب وندم وصدقت توبته ثم قيل له:_لم فعلت هذه المعاصي؟ فله أن يقول:- فعلتها لقدر الله، فصار الاحتجاج بالقدر له ثلاث حالات، الأولى:- أن يحتج بالقدر عند نزول المصائب فهذا جائز الثانية:- أن يحتج بالقدر على المعصية التي قد تاب منها، فهذا جائز، وعلى هاتين الحالتين يحمل حديث محاجة آدم مع موسى عليهما السلام، الثالثة:- أن يحتج بالقدر على معصية لا يزال يقارفها ليسوغ نفسه فعلها فهذا محرم مذموم والذي اتفق أهل السنة على بطلانه.

(فصل)

إن قيل:- لقد أنكر الله جلا وعلا على القائلين {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} {الجاثية: 24} مع أنه قال في الحديث القدسي (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل النهار) [3] فكيف ينكر عليهم نسبة الإحياء والإهلاك للدهر، والله هو الدهر؟ والجواب:- أن نقول:- لا تعارض في ذلك ولله الحمد والمنة، وذلك لأن هؤلاء الدهرية لا يقصدون بقولهم

(1) رواه البخاري باب تحاج آدم وموسى عند الله 6240، ومسلم في القدر باب حجاج آدم موسى 2652

(2) رواه مسلم باب في الأمر بالقوة وترك العجز 2664، ورواه البيهقي في السنن الكبرى باب فضل المؤمن القوي الذي يقوم بأمر الناس 19960

(3) رواه البخاري سورة حم الجاثية برقم 4549، ومسلم في الألفاظ من الأدب باب النهي عن سب الدهر 2246

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت