(فصل)
إن قيل:- لقد روه أصحاب الصحيح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم، فهذا الحديث يفيد جواز نكاح المحرم، ولكننا نجد في السنة حديث عثمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال"لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب"فهذا نهي عن نكاح المحرم، فما الحل في هذه الأحاديث؟ فأقول:- لا إشكال ولا تعارض ولله الحمد والمنة، وبيانه أن يقال:- إن حديث ابن عباس بأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم لا يصح من جهة متنه، فهو شاذ، مع أنه في الصحيح، نعم، هو شاذ، وليس العمل عليه، بل لا يعول عليه ووجه شذوذه عدة أمور , الأول:- أن صاحبة القصة وهي ميمونة رضي الله عنها قد صرحت بما لا يدع مجالا للشك، بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد تزوجها وهو حلال غير محرم، والحديث صحيح، والمتقرر في الأصول أن صاحب القصة أدرى بما جرى له من غيره، الثاني:- أن من عاصر القصة قد صرح بأن النكاح من ميمونة كان والنبي صلى الله عليه وسلم حلالا غير محرم وهو أبو رافع رضي الله عنه، فإنه كان السفير بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ميمونة رضي الله عنها وقال:- تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة حلالا غير محرم وكنت السفير بينهما، والمتقرر في الأصول أن رواية من عاصر أحداث القصة مقدمة على من نقلت له القصة ولم يشهد أحداثها الثالث:- أن ابن عباس رضي الله عنهما لم يشهد معهم هذه القصة لأنها كانت في الحديبية، وابن عباس كان إذاك صغيرا، وكان في المدينة وليس معهم، فالقصة قد نقلت له نقلا، وأما ميمونة وأبو رافع فإنه حضروا وعلموا عن نظر لا عن نقل، بل ميمونة هي بعينها صاحبة القصة، وعلى هذا فالقول الصحيح في هذه المسألة هو أنه لا يجوز للمحرم أن ينكح ولا أن ينكح، ولا أن يخطب وأما حديث ابن عباس فقد بينا لك أنه شاذ، ولا يهولنك أنه في الصحيحين لأن الضعف هنا ليس باعتبار السند ولكنه باعتبار المتن، والله ربنا أعلى وأعلم.
(فصل)