مُّؤْمِنٌ وهذا التنويع في الخلق يتعارض مع الحديث السابق، فأقول:- لا والله، ولا طرفة عين، بل كلاهما حق وصدق، ولا اختلاف بينهما، لأن المراد بالحديث أصل الخلق، فالله تعالى جعل أصل الخلق على الحنيفية، وأما بعد ذلك فبسبب المؤثرات الخارجية تنوع الخلق إلى مؤمن وكافر، فالحديث محمول على أصل الخلق، وهو أول أحواله، والآية محمولة على ما صار إليه الخلق في ثاني أحواله، وعلى هذا فلا تعارض، ولكن أين من يفهم عن الله تعالى مراده، والله المستعان، وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم"ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"وفي لفظ"أو يشركانه"وهذا التهويد والتنصير والتمجيس والشرك إنما هو في ثاني أحوال الخلق، لا في أول منشأهم وأصل ما خلقوا عليه، والله أعلم.
(فصل)
إن قيل:- كيف الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم"إن الرقى والتمائم والتولة شرك"وبين قوله"اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا"فأقول:- الحمد لله وجه الجمع ظاهر، وهو أن الرقى قسمان:- رقى شرعية، ورقى شركية، فأما الرقى الشرعية فهي ما توفر فيها ثلاثة شروط:- أن تكون بكلام الله تعالى وما صح من الأدعية، وأن تكون باللسان العربي وأن يعتقد القارئ والمقروء عليه أنها مجرد سبب، وأن الشافي على الحقيقة هو الله تعالى، فإن توفرت هذه الشروط فهي رقية جائزة، وعليها تجمل الأحاديث الواردة في تجويز الرقية، وأما إن كانت مما اشتمل على الأمور المحرمة شرعا من الاستغاثة بالشياطين أو بكلام غير مفهوم، أو تمتمات لا يفقه ما وراءها، فإنها تكون من الرقى الشركية، وعليها تجمل الأدلة الواردة في تحريم الرقية والحكم عليها بأنها شرك، وعلى هذا التقسيم فلا تعارض ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة، والله أعلم.
(فصل)
كيف الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم"لا رقية إلا من عين أو حمة"وبين الأدلة العامة المجوزة للرقية؟ فأقول:- لا تعارض، وذلك بحمل قوله"لا رقية"