(فصل)
إن قيل:- كيف نجمع بين قوله تعالى {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وقوله {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} فهذه الآيات تبين أن أحدا لا يحمل ثقل ذنب أحد يوم القيامة، كيف هذا وقد قال تعالى {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} وقوله تعالى {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ} فهذه الآيات تفيد عكس الآيات الأولى، بأن هناك من يحمل وزره ووزر غيره، فكيف آيات تنفي أن يحمل أحد وزر أحد، وآيات تثبت هذا فهل هذا من التناقض؟ قلنا:- لا، ولكنه من عدم الفهم عن الله ما يريد، والأمر واضح لا خفاء فيه، وبيانه أن يقال:- إن العبد إن أرتكب الذنب فإنه يكتب عليه، وهذا واضح، ولكن إن كان سببا في ارتكاب غيره للذنب، فإنه يحمل ذنب هذا الغير أيضا وذلك كأهل البدع، فإن وقوعهم في البدع مما يعاقبون عليه، ولكنهم يدعون الناس إلى البدعة فوقوع الناس في البدعة إنما كان بسببهم وعن طريق تزيينهم، فهم الذين زينوا الشر للناس، وحببوا الضلال لهم، فهو يحملون أوزارهم وأوزار من أضلوهم، ويوضح هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيء، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص من آثامهم شيء"رواه مسلم, وفي الحديث الآخر"من سن في الإسلام سنة حسنة، كلن له أجرها، وأجر من عمل بها من بعده، لا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، لا ينقص من أوزارهم شيء"رواه مسلم أيضا، ويقال النبي صلى الله عليه وسلم"ما قتلت نفس ظلما، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل"وهو في الصحيح، فأهل البدع عليهم وزرهم ووزر من عمل ببدعتهم من بعدهم إلى يوم القيامة، ومن أعان غيره على الظلم والكفر وزين له الباطل، فعليه وزره ووزر من عمل به إلى يوم القيامة, وهذا هو ما يعنيه ربنا جل وعلا بقوله {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم} وهذا