الأحاديث في هذا فيها شيء من التعارض فكيف الجمع؟ فأقول:- كلا والله العظيم، ليس بينها من التعارض ولا طرفة عين، ذلك واالجمع بينهما أن يقال:- إن إقامة الحد بالإقرار يكفي فيه مرة واحدة، وعلى ذلك حديث الغامدية رضي الله عنها، وإن أراد الإمام زيادة التثبت والاستيثاق فله أن يكرر الإقرار أربع مرات، وعلى ذلك حديث ماعز، فالنبي صلى الله عليه وسلم في قصة ماعز رأى أن هناك جوانب نقص في الإقرار، فأراد أن يتثبت بشمه وسؤال الناس عن عقله ونحو هذا مما ورد، فإن رأى الإمام أن في الإقرار جوانب ضعف، فله التثبت إلى أربع مرات، وإن رأى أن القضية واضحة، وأنه لا جانب خفاء فيها، فله أن يقيم الحد بالإقرار مرة واحدة، وبهذا يتفق الحديثان ولا يكون بينهما أي جانب من جوانب الإشكال، وللحمد والمنة، قال الشنقيطي رحمه الله تعالى في أضواء البيان في الترجيح في هذه المسألة (قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر قولي أهل العلم في هذه المسألة عندي: هو الجمع بين الأحاديث الدالة على اشتراط الأربع، والأحاديث الدالة على الاكتفاء بالمرة الواحدة؛ لأن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن، لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، ووجه الجمع المذكور هو حمل الأحاديث التي فيها التراخي، عن إقامة الحد بعد صدور الإقرار مرة على من كان أمره ملتبسا في صحة عقله، واختلاله، وفي سكره، وصحوه من السكر، ونحو ذلك. وحمل أحاديث إقامة الحد بعد الإقرار مرة واحدة على من عرفت صحة عقله وصحوه من السكر وسلامة إقراره من المبطلات، وهذا الجمع رجحه الشوكاني في"نيل الأوطار".ومما يؤيده أن جميع الروايات التي يفهم منها اشتراط الأربع كلها في قصة ماعز، وقد دلت روايات حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدري أمجنون هو أم لا؟ صاح هو أو سكران؟ بدليل قوله له في الحديث المتفق عليه المذكور آنفا:"أبك جنون"؟ وسؤاله صلى الله عليه وسلم لقومه عن عقله، وسؤاله صلى الله عليه وسلم"أشرب خمرا"؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر، وكل ذلك ثابت في الصحيح، وهو دليل قوي على الجمع بين الأحاديث كما ذكرنا، والعلم عند الله تعالى)