مضى وسلف من الذنوب التي فعلها الكافر حال كفره بمجرد الإسلام، فكيف ذلك مع حديث ابن مسعود أن أناسًا قالوا يا رسول الله:- أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ فقال"أما من أحسن في الإسلام فلا يؤاخذ وأما من أساء في الإسلام أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام"وهو في الصحيح، فكيف يؤاخذ بعمله في الجاهلية بعد إسلامه وقد مضت النصوص السابقة بأنه قد غفر له ما قد سلف؟ فأقول:- لا إشكال في ذلك ولله الحمد والمنة وبيان ذلك هو في تحرير النزاع فأقول:- أجمع العلماء على أن من أسلم ظاهرًا فقط لا باطنًا أنه لا يصح إسلامه في الباطن كما هو في حال أهل النفاق ألاعتقادي وأجمع أهل العلم على أن من أسلم باطنًا وظاهرًا فإن الله تعالى يغفر له ما سبق من ذنب الكفر وأجمع أهل العلم أن من أسلم وحسن إسلامه بفعل المأمورات وترك المنهيات فإنه يغفر له كفره ويغفر له جميع ذنوبه السابقة، وإنما الخلاف حصل فيمن أسلم ولا يزال مصرًا على بعض الذنوب والآثام، وهو محط هذا الإشكال والراجح فيه أنه لا يغفر له بإسلامه كل شيء، بل لا يغفر إلا ما نهى عنه، وهو بإسلامه باطنًا وظاهرًا قد انتهى عن الكفر فيغفر له، وأما معاصيه التي كان يزاولها قبل إسلامه واستمرت معه بعد إسلامه فإنه لم ينته عنها فلا تغفر لها بل يكون في عداد أصحاب الكبائر، فقوله تعالى {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} أي مما سلف مما انتهوا عنه، وأما حديث"إن الإسلام يهدم ما كان قبله"فإن الألف واللام في (الإسلام) هي أل العهدية، أي الإسلام المعهود عندهم، والإسلام المعهود بينهم هو الإسلام الحسن الذي يحصل لصاحبه الانتهاء عن الكفر وسائر الذنوب التي كان يفعلها زمن الكفر، وعلى ذلك فلا إشكال فإن حديث"ومن أساء في الإسلام فأخذ بالأول والآخر"محمول على ذلك المسلم الذي لا يزال بعد إسلامه يزاول بعض المعاصي التي كان يفعلها في حال كفره فهذا يؤاخذ على هذه المعصية قبل إسلامه، ويؤاخذ على فعلها بعد إسلامه، فيؤاخذ بعمله في الجاهلية والإسلام، وهذه المعصية التي لم ينته عنها لا تدخل في حيز المغفرة إلا أن تاب منها وانتهى عنها، وإلا فهو من أصحاب الكبائر هذا أمر، وقد يقال:- إن الإساءة الواردة في حديث"ومن أساء"