فيستخبر بعض أهل السموات بعضًا حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا فتخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم ويرمون به، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يقذفون فيها ويزيدون"فهذا الأحاديث فيه إثبات أن الشهب كان يرمى بها من يسترق السمع قبل البعثة، كيف نجمع بين ذلك وبين حديث ابن عباس الآخر من أن الشياطين استرابت من رميها بالشهب لما أرسلت عليها واستغربت ذلك وأمروا بعضهم أن يضربوا مشارق الأرض ومغربها ليعرفوا سبب رميهم بالشهب، وهذا بعد البعثة، والإشكال هو:- لماذا استغربت الشياطين من رميها بالشهب بعد البعثة مع أنهما كانت ترمى بها قبل البعثة؟ فأقول:- الأمر سهل وواضح ولا إشكال فيه وبيانه أن يقال:- إن أصل الرمي كان موجودًا قبل البعثة على نص الحديث الأول وهو صريح في ذلك لا تأويل فيه، وهذا الرمي لم يكن كثيرًا ولا دائمًا، أي ليس ذلك على الدوام فكانت ترمى في وقت دون وقت، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كثر الرمي بها وازداد زيادة أوجبت استنكار الشياطين له، لأنهم صاروا يرمونها كل وقت وحيل بينهم وبين خبر السماء الحيلولة الكاملة، فالذي استغربته الشياطين وقالوا"إنه لأمر حدث"ليس هو أصل الرمي وإنما هو كثرة الرمي واستمراره بصورة لم يكن يعهدونها من قبل، فالسماء بعد البعثة ملئت حرسًا شديدا وشهبا كما قال تعالى {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا} قال عنهم {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا} فكثرة الرمي هي المستغربة لا أصل الرمي , وبهذا تتآلف الأحاديث ولا يكون بينها أي إشكال. فإن قلت: يبقى إشكال واحد وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما"ولم يكن يرمى بها قبل ذلك"فهذا نفي من ابن عباس للرمي فماذا تقول؟ أقول:- إن ابن عباس رضي الله عنهما لم يقصد نفي أصل الرمي وإنما قصد نفي الكيفية أي أن الكيفية في رمي الشهب بعد البعثة لم تكن من قبل فالمنفي هو التماثل في الكيفية لا أصل الرمي , وعلى ذلك فلا إشكال فإن لم تسلم بذلك، فلا تقول لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم."
(فصل)