فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 431

بجنسه متفاضلًا وإنما الربا مقصور على ما كان نسيئة فقط، ولا يخفاك أيها الأخ الفاضل أن لفظ (إنما) تفيد الحصر، فكيف ذلك؟ فأقول:- لا إشكال بين هذين الحديثين ولله الحمد والمنة وذلك يتم في معرفة بعض القواعد:-

الأولى:- التحريم مراتب، أي أن التحريم ليس على وتيرة واحدة فالمحرمات ليس شيئًا واحدا في التحريم، بل هي درجات متفاوتة في تحريمها، فتحريم الزنا ليس كتحريم السب والشتم وتحريم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق أغلظ وأفضع وأشد تحريمًا من صفعة رجل بيدك، وهذا شيء معلوم بالشريعة من الضرورة ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:- قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم عند الله؟ فقال"أن نجعل لله ندًا وهو خلقك"قلت:- ثم أي؟ قال"أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك"قلت:- ثم أي؟ قال"أن تزاني حليلة جارك"فأنزل الله عز وجل تصديقها {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} وكذلك الواجبات أيضًا فإنها تتفاوت في الإيجاب، فالواجب مراتب وكذلك التحريم مراتب، إذا علمت هذا فعندنا نوعان من الربا، ربا الفضل وهو ثابت في حديث عبادة وأبي هريرة وغيرهما، وربا النسيئة وهو الذي ورد به القرآن في قوله تعالى {لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً} وفي حديث أسامة السابق، ولو سألنا:- أيهما أغلظ وأشد وأفضع؟ لقال الكل:- الأغلظ والأشد والأفظع هو ربا النسيئة وعليه فقوله"إنما ربا النسيئة"أي إنما الربا أشد تحريمًا والأغلظ والأقبح في النسيئة، فإن المحتاج وإن ظلم في ربا الفضل، لكنه يظلم في ربا النسيئة أضعاف أضعاف ذلك، وهذا جمع صحيح لا غبار عليه.

الثانية:- المنطوق مقدم على المفهوم، وذلك لأنه أقوى، فإلغاء ربا الفضل في حديث أسامة فإنه بمفهوم، وإثباته في حديث عبادة إنما هو بالمنطوق ولا جرم أن المنطوق مقدم على المفهوم، فيقدم الإثبات في حديث أسامة لأنه مفهوم وهذا صحيح لا غبار عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت