تستطع فقاعدا" [1] ."
وادعوا نسخ أحاديث الأمر بالجلوس الآتية بما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى في مرض موته قاعدا والناس خلفه قياما، ولم يأمرهم بالجلوس. كما في حديث عائشة، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس، لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يتأخر وقال لهما: «أجلساني إلى جنبه» فأجلساه إلى جنب أبي بكر، وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر، والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد. رواه مسلم بهذا اللفظ [2] .
وأجيب بأن دعوى النسخ في هذا مردود، وذلك أنه لا يجوز دعوى بطلان الحكم مع إمكان العمل به ولو بوجه، وسنبين وجه العمل به، إن شاء الله تعالى.
ويدل أيضا على أن الأمر بالقعود خلف الإمام القاعد غير منسوخ: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علله بعلل لم تنسخ ولم تبطل منذ شرعت.
منها: أنه علله بأن الإمام إنما جعل إماما ليؤتم به ويقتدى به في أفعاله، وقال:"إذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون"، وما قبل الصلاة جلوسا لم ينسخ منه شيء، فكذلك القعود؛ لأن الجميع مرتب على أن الإمام يؤتم به ويقتدى به.
ومنها: أنه جعل القعود خلفه من طاعة الأمراء، وطاعة الأمراء من طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وطاعته من طاعة الله، ومعلوم: أنه لم ينسخ من هذه شيء، بل كلها باقية محكمة إلى يوم القيامة.
(1) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر، وغيرهما من يصلي بالناس، وأن من صلى خلف إمام جالس لعجزه عن القيام لزمه القيام إذا قدر عليه، ونسخ القعود خلف القاعد في حق من قدر على القيام (1/ 311) (418) .
(2) ينظر: فتح الباري لابن رجب (6/ 68) .