ومنها: أنه جعل القيام خلف الإمام الجالس من جنس فعل فارس والروم بعظمائها، حيث يقومون وملوكهم جلوس، وشريعتنا جاءت بخلاف ذلك، كما في حديث جابر، قال: اشتكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا، فرآنا قياما، فأشار إلينا، فقعدنا فصلينا بصلاته قعودا، فلما سلم قال:"إن كدتم - آنفا - تفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم، إن صلوا قياما فصلوا قياما، وإن صلوا قعودا فصلوا قعودا" [1] .
قال الكشميري في العرف [2] عن دعوى النسخ: وأما ادعاء النسخ أي نسخ الواقعة الأولى لسقوطه عن الفرس بالواقعة الثانية له فبعيد.
وهذا إنصاف منه رحمه الله.
القول الثاني: أنه يصلي القادر على القيام خلف الإمام الجالس جالسا، هذا هو المروي عن الصحابة، ولا يعرف عنهم اختلاف في ذلك.
وممن روي عنه ذلك من الصحابة: أسيد بن حضير وقيس بن فهد وجابر بن
عبد الله وأبو هريرة ومحمود بن لبيد [3] .
ولا يعرف عن صحابي خلاف ذلك، بل كانوا يفعلون ذلك في مساجدهم ظاهرا، ولم ينكر عليهم عملهم صحابي ولا تابعي.
قال ابن رجب في الفتح [4] :
وممن ذهب إلى أن المأموم يصلي جالسا خلف الإمام الجالس بكل حال من العلماء: الأوزاعي وحماد بن زيد وأحمد وأسحاق وأبو خيثمة [5] زهير بن حرب
(1) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام (1/ 309) (413) .
(2) ينظر: العرف الشذي شرح سنن الترمذي (1/ 350) .
(3) ينظر: فتح الباري لابن رجب (6/ 154) .
(4) ينظر: فتح الباري لابن رجب (6/ 156) .
(5) هو زهير بن حرب بن شداد الحرشي النسائي، ثم البغدادي الحافظ الحجة، أحد أعلام الحديث، ولد أبو خيثمة سنة 160 هـ. (له ترجمة في - سير أعلام النبلاء(11/ 490) .