فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 738

أما الجواب عن السؤال السادس فهو، أن كل قول، أو فعل، أو اعتقاد ينافي ما هو معلوم من الدين بالضرورة كان خروجًا عن دين الإسلام، وذلك كمن أنكر فرضية الصلاة، أو الصيام، أو الحج، أو قال: إن المسيح صلب، أو هو ابن اللّه أو اعقد أن اللّه يشبه الحوادث، أو سجد لصنم، أو أهان مصحفًا بإلقائه في قاذورة عمدًا، أو سب دين الإسلام، أو حلل حرامًا معلومًا من الدين بالضرورة، كشرب الخمر، و الزنا، و اللواط، ولعب الميسر، وأكل أموال الناس بالباطل، ومن ذلك السرقة، والغش، والخيانة، وتطفيف الكيل والوزن، والاعتداء على أعراض الناس ودمائهم، كالقتل، والقذف، إلى غير ذلك من الأمور التي حرمتها الشريعة الإسلامية تحريمًا باتًا، فمن فعل شيئًا من ذلك وهو مستحيل له، أو قال: إنه حلال كان مرتدًا عن دين الإسلام، ومثل ذلك ما إذا أنكر نبوة أحد النبيين الذين ذكرهم القرآن الكريم، وأنكر قصة من القصص التي وردت فيه، أو أنكر آية منه، فإن هذا وأمثاله هو الذي يقال إن فاعله، أو قائله مرتد.

ولكن مؤلفي الفتاوى قد ذكروا أمورًا كثيرة قالوا عنها: إنها مكفرة، ولكن الواقع غير ذلك لأنها تحتمل التأويل، وكل ما كان كذلك فلا يكون مكفرًا، ومن ذلك أن يقول الإنسان بخلق القرآن فقد ذكروا أنه يكفر بهذه العبارة، وهذا غير صحيح، وذلك لأن هذه العبارة تحتمل أن ألفاظ القرآن التي نقرؤها ونتعبد بها مخلوقة للّه ولا يقول عاقل أنها قديمة، وما نقل عن الإمام أحمد كان من باب الأدب والورع، وتحتمل أيضًا ما يقوله المعتزلة من أنه ليس للّه صفة زائدة على ذاته يقال لها: الكلام ولكن اللّه خلق الكلام الذي أسمعه موسى،وخلق القرآن الذي أنزله على محمد، وقد أقاموا البرهان القوي على ذلك، ولم يكفرهم أحد بل كثير من أعلام المسلمين قال: إن رأيهم في ذلك صواب، وتحتمل ما يقوله الكرامية، من أنها حادثة زائدة على الذات قائمة بذاته، وهذا لا يلزم منه الكفر إلا إذا اعتقدوا حدوث الذات لقيام الحوادث بها، أو اعتقدوا أن اللّه ليس بمتكلم قبل أن يخلق صفة الكلام الحادثة أما إذا اعتقدوا أن اللّه متكلم بذاته، ثم إذا أراد شيئًا قال: كن وقامت بذاته، ثم ترتب عليها الأثر، فإنهم لا يكفرون، فهذا كل ما يحتمله القول بخلق القرآن، ولا يخفى أنه قابل للتأويل من جميع الجهات.

ومنه ما إذا قال الشخص: أنا مؤمن إن شاء اللّه، وهذه لا يصح أن يكفر قائلها إلا إذا نطق بها على سبيل الشك بأن كان شاكًا في إيمانه، أما إذا ذكرها تبركًا، أو تفويضًا للّه في كل الأمور فإنه لا شيء فيها، نعم ينبغي للشخص أن لا يأتي بهذه الكلمة في الأعمال المطلوبة منه جزمًا كي يكون في حل من عدم فعلها ويوجب شك طالبها، ومن ذلك أن يقول الإنسان لشخص لا يمرض: إن اللّه - لا يفتكره - أو هو منسي من اللّه، وهذه الكلمة وإن كانت قبيحة، ولكن صاحبها لا يكفر إلا إذا قصد معناها المتبادر منها، وهو أنه يجوز على اللّه النسيان، أما إذا كان غرضه أن اللّه لا يحب هذا الرجل الذي لا يمرض فلا يكفر ذنوبه بالمرض فإنه لا يكفر، وإن كان قائلها جاهلًا ينبغي لمن سمعه من العارفين أن يعلمه ما يقول.

فهذه أمثلة مما ذكره مؤلفو الفتاوى. فينبغي النظر فيما ذكروه على هذا الوجه.

وبالجملة فالمحققون من الحنفية صرحوا بأنه لا يجوز تكفير المسلم إلا إذا لم يمكن تأويل كلامه، فلو قال: كلمة تحتمل الإيمان من وجه. والكفر من وجوه تحتمل على الإيمان حتى قالوا: إذا قال كلمة أو عمل يستلزم ظاهره الكفر ولكن وجدت رواية ضعيفة يحمل بها على الإيمان لا يصح المبادرة بتكفيره، نعم إذا فعل ما لا يمكن حمله على الإيمان كأن مزق مصحفًا وألقاه على الأرض لغيظ أو غضب من حالة عصبية وهو مؤمن فإنه يؤاخذ به مع اعتقاده بالنسبة لزوجته، لأن بينونتها منه بذلك حق من حقوقها، ولا يمكن للقاضي أن يدخل إلى ما في نفسه، بل لا بد من معاملته بظاهر أمره في حق هذه المرأة، أما الذي يمكن تأويله فإن فاعله أو قائله يؤمر بالتوبة والاستغفار وتجديد عقد زوجته احتياطًا، فإن أبت فلا تمكن من غرضها، ولا تجبر على التجديد.

ومن سب دين مسلم فإنه يحمل على أمرين: أحدهما سب نفس الشخص وأخلاقه التي يتخلق بها، ومن أراد ذلك فإنه لا يكفر. ثانيها: سب نفس الدين وتحقيره، ومن أراد ذلك فإنه يكفر، وبذلك لا يمكن الجزم بتكفير من شتم الدين، فلا يترتب عليه أحكام المرتدين.

ومن سب النبي صلى اللّه عليه وسلم صريحًا، أو عرض بمقامه الكريم، أو سب نبيًا من الأنبياء، أو سب جبريل وميكائيل، فقد اختلف فيه قولين: أحدهما أنه يقتل حدًا ولا تقبل توبته، كما يقول المالكية ثانيها: أن حكمه حكم المرتد الذي سب خالقه، فإن تاب وإلا قتل، وهذا هو الذهب الذي عليه المعمول، وإن كان سب الرسول صلى اللّه وعليه وسلم من أشنع الجرائم وأقبحها وأن الذي يقدم عليه وعنده مثقال ذرة من العقل لا يرجى منه خير فإعدامه خير من بقائه.

أما السحر،فإن تعريفه الذي عرفه المالكية يجعل الحكم في أمره واضحًا، فإنه إن كان مشتملًا على عبارات أو عمال مكفرة فإن صاحبها بها بلا كلام وإلا فإن ترتب عليه ضرر كان حرامًا يكفر مستحله، وإلا شيء فيه، ولا فرق بين أن تكون الآثار المترتبة عليه حقيقة أو تكون خيالًا، لأن الحكم في هذه الحالة على الأقوال والأفعال الصادرة من المكلف، وكل ما ذكر في كتب الحنفية خاصًا بالسحر لا يخرج عن هذا، وكذلك ما نقل الشافعية، وقد صرع بعض المحققين من الحنفية أنه ينبغي العمل بمذهب الشافعية في هذا الموضوع، وهو لا يخرج عن هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت