فهرس الكتاب

الصفحة 433 من 738

يُلْتَفَتُ إلَى اخْتِلَافِ اللَّفْظِ كَالشَّهَادَةِ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ فِيهَا الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ صَحَّ أَدَاؤُهَا بِالْمَعْنَى وَيُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ الشُّهُودِ بِخِلَافِ الْقُرْآنِ وَالْأَذَانِ وَالتَّشَهُّدِ وَسَائِرِ مَا تُعُبِّدَ فِيهِ بِاللَّفْظِ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ فِيهَا مَقْصُودٌ كَالْمَعْنَى حَتَّى تَعَلَّقَ جَوَازُ الصَّلَاةِ وَحُرْمَةُ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ بِالْآيَةِ الْمَنْسُوخَةِ فَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ بِالْمَعْنَى وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ وَهَذَا لِأَنَّ النَّظْمَ مِنْ السُّنَّةِ غَيْرُ مُعْجِزٍ إلَى آخِرِهِ أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ مُعْجِزًا لَا يَكُونُ مَقْصُودًا . قَوْلُهُ ( وَالسُّنَّةُ فِي هَذَا الْبَابِ ) أَيْ فِي النَّقْلِ بِالْمَعْنَى . مَا يَكُونُ مُحْكَمًا لَا يَشْتَبِهُ مَعْنَاهُ وَلَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا وَضَعَ لَهُ إنَّمَا فَسَّرَهُ بِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْمُحْكَمَ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ فِي ذَاتِهِ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْمُحْكَمَ عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ عليه السلام { مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ } كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ قَالَ الْغَزَالِيُّ رحمه الله إنَّمَا جَازَ النَّقْلُ بِالْمَعْنَى عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ إذَا كَانَ ظَاهِرًا مُفَسَّرًا بِأَنْ قَالَ قَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ مَكَانَ مَا رُوِيَ عَنْهُ جَلَسَ , أَوْ أَقَامَ لَفْظَ الْعِلْمِ مَقَامَ الْمَعْرِفَةِ أَوْ الِاسْتِطَاعَةَ مَكَانَ الْقُدْرَةِ أَوْ الْحَظْرَ مَقَامَ التَّحْرِيمِ وَنَحْوِهَا . جَوَامِعُ الْكَلِمِ هِيَ الْأَلْفَاظُ الْيَسِيرَةُ الَّتِي تَجْمَعُ الْمَعَانِيَ الْكَثِيرَةَ وَالْأَحْكَامَ الْمُخْتَلِفَةَ وَاخْتَصَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ { فُضِّلْت بِسِتٍّ أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَنُصِرْت بِالرُّعْبِ . وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأُرْسِلْت إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً وَخُتِمَ بِي النَّبِيُّونَ } وَإِنَّمَا ثَبَتَ ذَلِكَ أَيْ التَّرَخُّصُ بِبَرَكَةِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ عليه السلام أَيْ دُعَائِهِ وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ { النَّبِيِّ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ لِأُبَيٍّ رضي الله عنه يَا أُبَيَّ أُرْسِلَ إلَيَّ أَنْ اقْرَأْ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ فَرَدَدْتُ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي فَرَدَّ إلَيَّ الثَّانِيَةَ اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفٍ فَرَدَدْت أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي فَرَدَّ إلَيَّ الثَّالِثَةَ اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ } وَتَمَامُ الْحَدِيثِ فِي الْمَصَابِيحِ . غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ أَيْ التَّرَخُّصَ الَّذِي ثَبَتَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى رُخْصَةُ إسْقَاطٍ أَيْ رُخْصَةٌ لَازِمَةٌ وَهِيَ الَّتِي لَمْ تَبْقَ الْعَزِيمَةُ فِيهَا مَشْرُوعَةٌ مِثْلُ رُخْصَةِ الْقَصْرِ لِلْمُسَافِرِ وَرُخْصَةِ الْمَسْحِ لِلَابِسِ الْخُفِّ فَلَمْ يَبْقَ لُزُومُ رِعَايَةِ النَّظْمِ الْمُنَزَّلِ أَوَّلًا مَشْرُوعًا وَلَمْ تَبْقَ لَهُ أَوْلَوِيَّةٌ بَلْ سَاوَى الْأَحْرُفَ الْبَاقِيَةَ فِي الْقُرْآنِيَّةِ وَإِحْرَازِ الثَّوَابِ وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ لَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْأَحْرُفِ أَصْلًا وَالْبَاقِي رُخْصَةً . وَهَذِهِ أَيْ الرُّخْصَةُ الثَّابِتَةُ فِي نَقْلِ الْحَدِيثِ رُخْصَةُ تَيْسِيرٍ وَتَخْفِيفٍ حَتَّى كَانَ الْعَمَلُ بِالْعَزِيمَةِ وَهُوَ النَّقْلُ بِاللَّفْظِ الْمَسْمُوعِ أَوْلَى مِنْ النَّقْلِ بِالْمَعْنَى بِالِاتِّفَاقِ كَأَوْلَوِيَّةِ الصَّوْمِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ مِنْ الْإِفْطَارِ وَأَوْلَوِيَّةِ الصَّبْرِ عَلَى الْقَتْلِ فِي حَقِّ الْمُكْرَهِ عَلَى الْكُفْرِ مِنْ إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ . وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ مَا كَانَ ظَاهِرًا يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا ظَهَرَ مِنْ مَعْنَاهُ فَلَا رُخْصَةَ فِيهِ أَيْ لَا يَجُوزُ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى إلَّا لِمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْعِلْمَيْنِ اللُّغَةِ وَالْفِقْهِ ( مِنْ خُصُوصٍ أَوْ مَجَازٍ ) بَيَانٌ لِمَا احْتَمَلَهُ اللَّفْظُ يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا رُبَّمَا يَنْقُلُهُ إلَى عِبَارَةٍ لَا تَكُونُ فِي احْتِمَالِ الْخُصُوصِ وَالْمَجَازِ مِثْلِ الْعِبَارَةِ الْأُولَى بِأَنْ يَضُمَّ إلَيْهَا مِنْ الْمُؤَكِّدَاتِ مَا يَقْطَعُ احْتِمَالَ الْخُصُوصِ إنْ كَانَتْ عَامَّةً وَالْمَجَازِ إنْ كَانَتْ حَقِيقَةً وَلَعَلَّ الْمُحْتَمَلَ هُوَ الْمُرَادُ فَيَفْسُدُ الْمَعْنَى وَيَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ , مِثَالُهُ قَوْلُهُ عليه السلام { مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ } فَمُوجِبُهُ الْعُمُومُ ; لِأَنَّ كَلِمَةَ مَنْ تَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ لَكِنْ الْمُرَادُ مِنْهُ مُحْتَمَلُهُ وَهُوَ الْخُصُوصُ إذْ الْأُنْثَى وَالصَّغِيرُ لَيْسَا بِمُرَادَيْنِ مِنْهُ لِمَا عُرِفَ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلنَّاقِلِ مَعْرِفَةٌ بِالْفِقْهِ رُبَّمَا يَنْقُلُهُ بِلَفْظٍ لَمْ يَبْقَ فِيهِ احْتِمَالُ الْخُصُوصِ بِأَنْ قَالَ مَثَلًا كُلُّ مَنْ ارْتَدَّ فَاقْتُلُوهُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَحِينَئِذٍ يَفْسُدُ الْمَعْنَى . وَقَوْلُهُ عليه السلام { لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت