فَإِنَّ مُوجِبَهُ وَحَقِيقَتَهُ نَفْيُ الْجَوَازِ وَمُحْتَمَلُهُ نَفْيُ الْفَضِيلَةِ وَالْمُحْتَمَلُ هُوَ الْمُرَادُ لِدَلَائِلَ دَلَّتْ عَلَيْهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ النَّاقِلُ بِالْمَعْنَى فَقِيهًا رُبَّمَا يَنْقُلُهُ بِلَفْظٍ لَا يَبْقَى فِيهِ هَذَا الِاحْتِمَالُ بِأَنْ قَالَ مَثَلًا لَا يَجُوزُ وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُسَمِّ فَيَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ وَيَفْسُدُ الْمَعْنَى , وَلَعَلَّهُ أَيْ النَّاقِلُ يُرِيدُهُ عُمُومًا بِأَنْ يَذْكُرَ جَمْعَ الْكَثْرَةِ مَقَامَ جَمْعِ الْقِلَّةِ أَوْ يَذْكُرَ لَفْظَ الْجَمَاعَةِ مَكَانَ الطَّائِفَةِ أَوْ يَذْكُرَ لَفْظَ الْجِنْسِ مَقَامَ الْعَامِّ صِفَةً وَمَعْنًى . وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ الْمُشْكِلُ وَالْمُشْتَرَكُ فَلَا يُخِلُّ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ عليه السلام { الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ } فَإِنَّ مَعْنَاهُ إيجَادُ الطَّلَاقِ أَوْ إظْهَارُ الطَّلَاقِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرَكِ وَمِثْلُ قَوْلِهِ عليه السلام { الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا } فَإِنَّ التَّفَرُّقَ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يَحْتَمِلُ التَّفَرُّقَ فِي الْقَوْلِ وَالْبَدَنِ كَذَا رَأَيْت بِخَطِّ شَيْخِي رحمه الله . قَوْلُهُ ( وَأَمَّا الْقِسْمُ الْخَامِسُ ) وَهُوَ جَوَامِعُ الْكَلِمِ فَلَا يُؤْمَنُ فِيهِ أَيْ فِي نَقْلِهِ بِالْمَعْنَى الْغَلَطُ لِإِحَاطَةِ الْجَوَامِعِ بِهِ فَلَا يُخِلُّ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى وَكُلُّ مُكَلَّفٍ بِمَا وَسِعَهُ كَأَنَّهُ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَمَّا كَانَ الْمَعْنَى هُوَ الْمَقْصُودَ مِنْ السُّنَّةِ لِأَلْفَاظِهَا وَلَا يُمْكِنُ دَرْكُ مَعَانِي جَوَامِعِ الْكَلِمِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ نَقْلُهُ بِاللَّفْظِ فَقَالَ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَرْكِ الْمَعَانِي فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَبْلِيغِ اللَّفْظِ فَكُلِّفَ بِمَا كَانَ فِي وُسْعِهِ , وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ عليه السلام { الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ } أَيْ غَلَّةُ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَى الْحَاصِلَةُ قَبْلَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ طَيِّبَةٌ لِلْمُشْتَرِي ; لِأَنَّهُ لَوْ هَلَكَ قَبْلَ الرَّدِّ هَلَكَ مِنْ مَالِهِ كَذَا فِي لَبَاتَ الْغَرْبِيِّينَ . وَفِي الْفَائِقِ كُلُّ مَا خَرَجَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ خَرَاجُهُ فَخَرَاجُ الشَّجَرِ ثَمَرُهُ , وَخَرَاجُ الْحَيَوَانِ دَرُّهُ وَنَسْلُهُ . قَوْلُهُ عليه السلام { الْغُرْمُ بِإِزَاءِ الْغُنْمِ } { الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ } { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ } { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ } . وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْجَوَامِعِ وَغَيْرِهَا يَعْنِي إنْ كَانَتْ الْكَلِمَةُ الْجَامِعَةُ ظَاهِرَةَ الْمَعْنَى يَجُوزُ نَقْلُهَا بِالْمَعْنَى عِنْدَهُمْ كَمَا يَجُوزُ نَقْلُ سَائِرِ الظَّوَاهِرِ وَلَكِنْ بِالشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الظَّاهِرِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ جَامِعًا لِعِلْمِ اللُّغَةِ وَفِقْهِ الشَّرِيعَةِ ; لِأَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ يُؤْمَنُ فِي نَقْلِهِ عَنْ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ يُخِلُّ بِمَعْنَى الْكَلَامِ كَمَا بَيَّنَّا فِي الظَّاهِرِ , لَكِنَّ هَذَا أَيْ عَدَمَ الْجَوَازِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ فَحْوَى الْكَلَامِ أَحْوَطُ الْوَجْهَيْنِ وَهُمَا الْجَوَازُ وَعَدَمُ الْجَوَازِ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ رحمه الله وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام كَانَ مَخْصُوصًا بِهَذَا النَّظْمِ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ { أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ } أَيْ خُصِّصْت بِهَا فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ بَعْدَهُ عَلَى مَا كَانَ هُوَ مَخْصُوصًا بِهِ وَلَكِنْ كُلُّ مُكَلَّفٍ بِمَا فِي وُسْعِهِ وَفِي وُسْعِهِ نَقْلُ ذَلِكَ اللَّفْظِ لِيَكُونَ مُؤَدِّيًا إلَى غَيْرِهِ مَا سَمِعَهُ مِنْهُ بِيَقِينٍ , وَإِذَا نَقَلَهُ إلَى عِبَارَتِهِ لَمْ نَأْمَنْ الْقُصُورَ فِي الْمَعْنَى الْمَطْلُوبِ بِهِ وَنَتَيَقَّنُ بِالْقُصُورِ فِي النَّظْمِ الَّذِي هُوَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ وَكَانَ هَذَا النَّوْعُ هُوَ مُرَادُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ ثُمَّ أَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا . وَبِمَا ذَكَرْنَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَمَّا قَالُوا إنَّ النَّبِيَّ عليه السلام مَخْصُوصٌ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ فَلَا يُؤْمَنُ فِي النَّقْلِ التَّبْدِيلُ وَالتَّحْرِيفُ ; لِأَنَّا لَمْ نُجَوِّزْ النَّقْلَ فِي الْجَوَامِعِ وَلَا فِيمَا لَا يُؤْمَنُ فِيهِ عَنْ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ إنَّمَا جَوَّزْنَاهُ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ النَّاقِلُ عَالِمًا بِأَوْضَاعِ الْكَلَامِ أَوْ فِيمَا لَهُ مَعْنًى ظَاهِرٌ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ النَّاقِلُ جَامِعًا بَيْنَ الْعَرَبِيَّةِ وَالْفِقْهِ , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُؤْمَنُ فِيهِ عَنْ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ عَادَةً وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ وَفِي تَفْصِيلِ الرُّخْصَةِ جَوَابٌ عَمَّا قَالَ . وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَا تَمَسُّك لَهُمْ فِيهِ ; لِأَنَّ الْأَدَاءَ كَمَا سَمِعَ لَيْسَ بِمُقْتَصِرٍ عَلَى نَقْلِ الْمَعْنَى أَيْضًا فَإِنَّ الشَّاهِدَ أَوْ الْمُتَرْجِمَ إذَا أَدَّى الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ يُقَالُ إنَّهُ أَدَّى كَمَا