الضَّمَائِرَ رَاجِعَةٌ لِبَنِي إسْرَائِيلَ . قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْخِطَابِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم . أَمَّا خِطَابُهُ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُوسَى وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام: فَهِيَ مَسْأَلَةُ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا: هَلْ هُوَ شَرْعٌ لَنَا ؟ وَالْحُكْمُ هُنَا لَا يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ الْخَطَّابِيِّ قَطْعًا , بَلْ بِالِاعْتِبَارِ الْعَقْلِيِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ( وَيَعُمُّهُ ) أَيْ يَعُمُّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى { يَا أَيُّهَا النَّاسُ } , وَ { يَا عِبَادِي } وَنَحْوُ ذَلِكَ , كَيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا , عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ( حَيْثُ لَا قَرِينَةَ تَخُصُّهُمْ ) نَحْوُ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ , وَ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } لِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِالِاسْتِجَابَةِ . وَقِيلَ: يَعُمُّهُ خِطَابُ الْقُرْآنِ دُونَ خِطَابِ السُّنَّةِ , وَقِيلَ: لَا يَعُمُّهُ خِطَابُ الْقُرْآنِ وَلَا خِطَابُ السُّنَّةِ لِقَرِينَةِ الْمُشَافَهَةِ , وَلِأَنَّ الْمُبَلِّغَ - بِكَسْرِ اللَّامِ - غَيْرُ الْمُبَلَّغِ - بِفَتْحِهَا . وَالْآمِرَ وَالنَّاهِيَ غَيْرُ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ , فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا . رُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّ الْخِطَابَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِلْعِبَادِ , وَهُوَ مِنْهُمْ , وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُبَلِّغٌ لِلْأُمَّةِ ; فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْآمِرُ وَالنَّاهِي , وَجِبْرِيلَ هُوَ الْمُبَلِّغُ لَهُ , وَلَا يُنَافِي كَوْنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُخَاطِبًا مُخَاطَبًا وَمُبَلِّغًا وَمُبَلَّغًا بِاعْتِبَارَيْنِ وَرُبَّمَا اعْتَلَّ الْمَانِعُ مِنْ ذَلِكَ , بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَهُ خَصَائِصُ , فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ لِخُصُوصِيَّتِهِ , بِخِلَافِ الْأَمْرِ الَّذِي خَاطَبَ بِهِ النَّاسَ . وَرُدَّ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ , حَتَّى يَأْتِيَ دَلِيلٌ , وَتَظْهَرَ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فِيمَا إذَا فَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ: هَلْ يَكُونُ نَسْخًا فِي حَقِّهِ ؟ إنْ قُلْنَا: يَعُمُّهُ الْخِطَابُ فَنَسْخٌ , أَيْ إذَا دَخَلَ وَقْتُ الْعَمَلِ , لِأَنَّ ذَلِكَ شَرْطُ الْمَسْأَلَةِ , وَإِلَّا فَلَا . ( وَيَعُمُّ ) الْخِطَابُ ( غَائِبًا وَمَعْدُومًا ) حَالَتُهُ ( إذَا وُجِدَ وَكُلِّفَ لُغَةً ) أَيْ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ . قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ . قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: لَيْسَ النِّزَاعُ فِي قَوْلِنَا"وَيَعُمُّ الْغَائِبَ وَالْمَعْدُومَ إذَا وُجِدَ وَكُلِّفَ"فِي الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ , بَلْ هَذِهِ خَاصَّةٌ بِاللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ . وَلِأَنَّنَا مَأْمُورُونَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم , وَحَصَلَ ذَلِكَ إخْبَارًا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ وُجُودِنَا فَاقْتَضَى بِطَرِيقِ التَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ , وَأَنْ لَا يَكُونَ قَسِيمًا لِلْخَبَرِ . انْتَهَى . وَقِيلَ: لَا يَعُمُّهُ الْخِطَابُ إلَّا بِدَلِيلٍ آخَرَ . قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَمِمَّا اُخْتُلِفَ فِي عُمُومِهِ: الْخِطَابُ الْوَارِدُ شِفَاهًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ , مِثْلَ قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } - { يَا أَيُّهَا النَّاسُ } - { يَا عِبَادِي } لَا خِلَافَ أَنَّهُ عَامٌّ فِي الْحُكْمِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ مَنْ لَمْ يُشَافَهْ بِهِ , سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا غَائِبًا وَقْتَ تَبْلِيغِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْ مَعْدُومًا بِالْكُلِّيَّةِ . فَإِذَا بَلَغَ الْغَائِبُ وَالْمَعْدُومُ بَعْدَ وُجُودِهِ تَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ . وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي جِهَةِ عُمُومِهِ . وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْعَامَّ الْمُشَافَهَ فِيهِ بِحُكْمٍ , لَا خِلَافَ فِي شُمُولِهِ لُغَةً لِلْمُشَافَهِينَ , وَفِي غَيْرِهِمْ حُكْمًا , وَكَذَا الْخِلَافُ فِي غَيْرِهِمْ هَلْ الْحُكْمُ شَامِلٌ لَهُمْ بِاللُّغَةِ أَوْ بِدَلِيلٍ آخَرَ ؟ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنْ الْحَنَابِلَةِ وَالْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ مِنْ اللَّفْظِ , أَيْ اللُّغَوِيِّ . وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إلَى أَنَّهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ . وَذَلِكَ مِمَّا عُلِمَ مِنْ عُمُومِ دِينِهِ صلى الله عليه وسلم بِالضَّرُورَةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى { لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ } وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم { وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ كَافَّةً } . قَالَ: وَهَذَا مَعْنًى كَثِيرٌ , كَابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ مِثْلَ { يَا أَيُّهَا النَّاسُ } لَيْسَ خِطَابًا لِمَنْ بَعْدَهُمْ , أَيْ لِمَنْ بَعْدَ الْمُوَاجِهِينَ . وَإِنَّمَا ثَبَتَ الْحُكْمُ بِدَلِيلٍ آخَرَ مِنْ إجْمَاعٍ أَوْ نَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ . وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلْمَعْدُومِينَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ . وَأَجَابُوا عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْخَصْمُ , بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَعْدُومُونَ مُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلًا إلَيْهِمْ , بِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الْخِطَابُ الشِّفَاهِيُّ فِي الْإِرْسَالِ , بَلْ مُطْلَقُ الْخِطَابِ كَافٍ . وَاَللَّهُ