فهرس الكتاب

الصفحة 628 من 738

أما السعى في تحصيل الألفة والاتفاق بين أهل الإسلام، فلا نزاع في أنه من أفضل الأعمال الدينية وأعظمها عند الله تعالى، فإن التآلف والتودد بين المسلمين هو مدار الإيمان وأساس الإسلام ، والسبب الوحيد لنظام المدنية وقوام المجتمع الإنسانى ومدار سعادته في الأولى والآخرة، وقد حث النبى صلى الله عليه وسلم على الأخذ به وبيان فوائده في كثير من الأحاديث، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ) وقوله (لا يؤمن عبد حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير) وقوله ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) وقوله (والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل ومن يارسول الله قال الذى لا يأمن جاره بوائقه( شروره ) أى لا يأمن جاره شره وقوله ( نظر المؤمن إلى أخيه المؤمن حبا له وشوقا إليه خير من اعتكاف سنة في مسجدى هذا ) وقوله (أفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المؤمن سرورا أو تقضى عنه دينا) وقوله (أفضل الفضائل أن تصل من قطعك وتعطى من حرمك ) وقوله (من أصلح فيما بيته وبين الله أصلح الله فيما بينه وبين الناس، ومن أصلح جوانيه أصلح الله برانيه) ومن تأمل في قوله تعالى { إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون } الحجرات 10 ، وقوله تعالى { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين } الأنفال 46 ، مع قوله صلى الله عليه وسلم لا تباغضوا ولا تدابر ولا تنافسوا وكونوا عباد الله إخوانا) وقوله (دب فيكم داء الأمم قبلكم ألا وهى البغضاء والحسد والبغضاء هى الحالقة ولا أقول حالقة الشعر وإنما هى حالقة الدين) من نظر في ذلك كله عرف ما للسعى في تحصيل الألفة والمحبة بين الناس من المكانة في الدين وأنه من أعظم الأعمال وأفضل الخصال، وعرف وجه حث الشارع عليه والتنويه بشأنه وتعظيم قدره .

وأما تربية أيتام المسلمين ودعوة المثرين إليها فمن الأمر بالمعروف في الدين ومن أفضل أعمال البر وأحبها عند الله تعالى، والسنة مملوءة بطلب الرفق بالأيتام والضعفاء والمساكين .

ففى الحديث (من أحسن إلى يتيم أو يتيمة كنت أنا وهو في الجنة كهاتين) وفيه خير بيت من المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت من المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه أنا وكافل اليتيم في الجنة كهذا وقال بإصبعيه السبابة والوسطى ) وفيه أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك ارحم اليتيم وامسح رأسه وأطعمه من طعامك) وكان عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه إذا ذكر النبى صلى الله عليه وسلم بكى وقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرحم الناس بالناس وكان لليتيم كالوالد، وكان للمرأة كالزوج الكريم، وكان أشجع الناس قلبا وأوضحهم وجها وأطيبهم ريحا وأكرمهم حسبا، فلم يكن له مثل في الأولين والآخرين .

إلى غير ذلك من الأحاديث - أما القرآن فكثيرا ما قرب بين اليتامى وذوى القربى والمساكين وابن السبيل في مقام الأمر بالإحسان والعبادة .

قال تعالى { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين } النساء 36 ، وقال { وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين } البقرة 177 ، إلى غير ذلك من الآيات - وأما إشاعة الإسلام في مقابلة حملات الأجانب والدعوة إليها فهى أول مسألة من مسائل الدين وأساس وجوده وعليها حفظ كيانه وبقائه بل هى النوع الميسور الآن من أنواع الجهاد في سبيل الله تعالى كالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .

قال { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس } المائدة 67 ، وقال تعالى { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين } الحجر 94 ، وقال تعالى { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } التوبة 122 ، وقال تعالى وأنذر عشيرتك الأقربين .

واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين الشعراء 214 ، 215 ، وقوله { وقل إنى أنا النذير المبين } الحجر 89 ، إلى غير ذلك من الآيات .

وفى الحديث عن طارق قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذى المجاز فمر وعليه جبة حمرا وهو ينادى بأعلى صوته يا أيها الناس لا تطيعوه .

وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين النصيحة قيل لمن يارسول الله قال لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم وقال عليه الصلاة والسلام لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم والآيات والأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تحصر .

وليست هذه المسائل الثلاثة من محل الخلاف بين العلماء، بل هى مما أجمع الكل عليه وأما الاستعانة بالكفار وأهل البدع والأهواء على مصالح المسلمين، فإن كانت بأموالهم وكانت لمصلحة دينية أو منفعة دنيوية ولم تشتمل على معنى الإذلال والولاية المنهى عنها، فلا نزاع في جوازها، خصوصا إذا نظرنا للكفار وأهل الذمة من جهة أنهم نقضوا العهود وتمردوا على الأحكام فإنه لا بأس بتناول أموالهم والانتفاع بها متى أمنت الفتنة والرذيلة وقد قبل النبى صلى الله عليه وسلم الهدية من المشركين، ففى صحيح البخارى قال أبو حميد أهدى ملك أيله للنبى صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء وكساه بردا وكتب له ببحرهم ( أهل بحرهم والمقصود - بلدهم - والمعنى أنه أقره عليهم بما التزمه من الجزية ) وعن قتادة عن أنس أن أكيد ردومة أهدى إلى النبى صلى الله عليه وسلم .

وعن أنس بن مالك أن يهودية أتت النبى صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها فجىء بها فقال ألا نقتلها قال لا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت