وفى البخارى عن النبى عن ابن أبى الدرداء إنا لنكشر ( نشكر بفتح النون وسكون الكاف وكسر الشين أى نضحك ونبتسم ) فى وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم .
وأخرج ابن أبى شيبة عن شعيب قال كنت مع على بن عبد الله فمر علينا يهودى أو نصرانى فسلم عليه قال شعيب فقلت إنه يهودى أو نصرانى فقرأ على آخر سورة فسلم عليه قال شعيب فقلت إنه يهودى أو نصرانى فقرأ على آخر سورة الزخرف وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون .
فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون الزخرف 88 ، 89 ، وقيل لعمر بن عبد العزيز كيف تبتدئ أهل الذمة بالسلام .
فقال ما أرى بأسا أن نبتدئهم . قلت لم قال لقوله تعالى { فاصفح عنهم وقل سلام } الزخرف 89 ، وروى البيهقى ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا بد له من معاشرته حتى يجعل الله له في ذلك مخرجا، إلى غير ذلك من الأحاديث، غاية الأمر لا تنبغى المداراة إلى حيث يخدش الدين ويرتكب المنكر وتسىء الظنون إذا علمت ذلك فالاستعانة بالكفار وأهل البدع والأهواء المشار إليها في السؤال متى خلت عما أومأنا إليه فلا بأس بها بل هى من الأمر المشروع كما تقدم .
وقد علمت نظيرها في القرون الفاضلة المشهود لها بالخير متى كانت الاستعانة من هؤلاء لنصرة الملك وحفظ حوز الملة وحينئذ لا يجوز لأحد من الناس أن يعارضهم في هذه الأعمال الجليلة ويسعى في تثبيط الهمم عن معاونتهم بل الواجب على كل واحد من أفراد الأمة أن يشاركهم في هذا العمل لأنه من البر والخير وقد قال تعالى { وافعلوا الخير لعلكم تفلحون } الحج 77 ، { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } المائدة 2 ، والمؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضا والله في عوف العبد ما دام العبد في عون أخيه .
وأما حكم من يرميهم بالكفر والتضليل وسوء الاعتقاد فإن كان يعتقد أنهم كفار حقيقة بمثل هذا العمل وأنهم خرجوا عن دين الإسلام بمجرد ذلك، فحديث إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ظاهر في تكفير هؤلاء المضللين وقد نص شراح الحديث وعلماء الأمة على الأخذ بظاهر هذا الحديث بالقيد المذكور، وإن قصدوا أن هؤلاء بولايتهم للكفار واستعانتهم بهم يفعلون فعل الكفار وليسوا بكفار حقيقة، فمع افترائهم وجهلهم بالدين قد أثموا وارتكبوا جريمة تقرب من الكفر بهذه الكلمة الشنيعة التى لا تصدر من مسلم، فضلا عن عالم .
وفى الحديث ( أبغض عباد الله إلى الله طعان لعان) وإن من أخلاق المؤمن ألا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب، ولا يضيع ما استودع ولا يحسد ولا يطغى ولا يلغى، ويعترف بالحق وإن لم يشهد عليه، ولا يتنابز بالألقاب - في الصلاة متخشعا إلى الزكاة مسرعا في الزلازل وقورا .
فى الرخاء شكورا قانعا بالذى له، لا يدعى ما ليس له، ولا يجمع في الغيظ، ولا يغلبه الشح عن معروف عليه صبر حتى يكون الرحمن هو الذى ينتصر له هذه هى أخلاق المؤمنين حتى إذا خرجوا منها فسدت أخلاقهم وانطفأ نور إيمانهم ونقضوا عرى الإسلام عروة عروة حتى لا يبقى منهم شىء نسأله السلامة وفى الفروق القرافية اعلم أن النهى يعتمد كما أن الأوامر تعتمد المصالح فأعلى رتب المفاسد الكفر، وأدناها الصغائر، والكبائر متوسطة بينهما، وأكثر التباس الكفر إنما هو بالكبائر، فأعلى رتب الكبائر يليها أدنى رتب الكفر، وأدنى رتب الكبائر يليها أعلى رتب الصغائر .
وأصل الكفر إنما هو انتهاك خاص لحرمة الربوبية، إما بالجهل بوجود الصانع، أو صفاته العلية، أو جحد ما علم من الدين بالضرورة، قال ابن رشد لا يحكم على أحد بالكفر إلا من ثلاثة أوجه وجهان متفق عليهما .
والثالث مختلف فيه . فأما المتفق عليهما فأحدهما أن يقر على نفسه بالكفر بالله تعالى، والثانى أن يقول قولا قد ورد السماع وانعقد الاجماع أن ذلك لا يقع إلا من كافر، وإن لم يكن ذلك نفسه كفرا على الحقيقة وذلك نحو استحلال شرب الخمر وغصب الأموال وترك فرائض الدين والقتل والزنا وعبادة الأوثان والاستخفاف بالرسل وجحد سورة من القرآن وأشباه ذلك مما يكون علامة على الكفر وإن لم يكن كفرا على الحقيقة، والثالث المختلف فيه أن يقول قولا يعلم أن قائله لا يكنه مع اعتقاده والتمسك به معرفة الله تعالى والتصديق به، وإن كان يزعم أنه يعرف الله تعالى ويصدق به .
وبهذا الوجه حكم بالكفر على أهل البدع من كفرهم، وعليه يدل قول مالك في العتبية ما آية أشد على أهل الأهواء من هذه الآية { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } آل عمران 106 ، انظر فتاوى أبى عبد الله .