فهرس الكتاب

الصفحة 723 من 738

ففي هذه النصوص وما شابهها دلالة عندهم على أن أهل المعاصي كفار في الدنيا عند الخوارج، و مخلدون في النار عندهم وعند المعتزلة.

المذهب الثاني: مذهب المرجئة.

المراد بالمرجئة الفرق التي تنفي دخول الأعمال في معنى الإيمان، وسموا بذلك لإرجائهم الأعمال أي تأخيرها عن الإيمان.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:

"والمرجئة بضم الميم وكسر الجيم بعدها ياء مهموزة، ويجوز تشديدها بلا همز، نسبوا إلى الإرجاء وهو التأخير، لأنهم أخروا الأعمال عن الإيمان، فقالوا الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، ولم يشترط جمهورهم النطق، وجعلوا للعصاة اسم الإيمان على الكمال، وقالوا لا يضر مع الإيمان ذنب أصلا ومقالاتهم مشهورة في كتب الأصول" [فتح الباري (1/110) ]

وقيل:"سميت المرجئة لنفيهم الإرجاء، وأنه لا أحد مرجأٌ لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم" [شرح العقيدة الطحاوية (1/592) وشرح المقاصد للتفتازاني (2/238) ]

يعني أن جميع المرتكبين لكبائر الذنوب هم من أهل الجنة قطعا، ولا يقال: فيهم: نرجئ أمرهم إلى الله تعالى، إن شاء غفر لهم وإن شاء عذبهم...

وهم متفاوتون في الإرجاء، أشدهم غلوا فيه الجهمية، ومن تبعهم، سيأتي ذكر ما اعتمدوا عليه في مذهبهم.

وأساس النزاع بين أهل السنة وغيرهم من الفرق، اختلافهم في معنى"الإيمان"

[راجع مجموع الفتاوى لابن تيمية ( 7/510) ، ( 10/748-751) ، ( 14/498) .]

ومذهب المرجئة مبني على ثلاثة أسس:

الأساس الأول: تعريف الإيمان وما يترتب عليه عندهم من أحكام في الدنيا والآخرة:

للمرجئة في تعريف الإيمان اختلا طويل.

وبسبب ذلك تعددت فرقهم التي بلغت اثنتي عشر فرقة كما بين ذلك أبو الحسن الأشعري رحمه الله، فقال:

"فالفرقة الأولى منهم، يزعمون"أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله وبرسله وبجميع ما جاء من عند الله فقط"."

وأن ما سوى المعرفة، من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب، والمحبة لله ولرسوله والتعظيم لهما، والخوف منهما [ينبغي تقييد الخوف من الله وحده] والعمل بالجوارح، فليس بإيمان.

وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل به، وهذا قول يحكى عن جهم بن صفوان، وزعمت الجهمية أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة، ثم جحد بلسانه، أنه لا يكفر بجحده، وأن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل، أهله فيه، وأن الإيمان والكفر لا يكونان إلا في القلب، دون غيره من الجوارح" [مقالات الإسلاميين (1/132) ] "

هذا مع العلم أن بعضهم يضمون التصديق بالرب إلى المعرفة المذكورة، فإذا جحد التصديق بالله تعالى، فهو كافر عندهم.

وبعضهم لا يجزمون بأن أحدا من عصاة المؤمنين يدخل النار، إهمالا لما ورد في القرآن من وعيد الله تعالى لمن عصاه، وما فصل في السنة الصحيحة من دخول بعض أهل المعاصي النار وإخراجهم منها، كما سبق ذكر كثير منها في الرد على الخوارج، ومنها أحاديث الشفاعة.

ولنكتف بمذهب هذه الفرقة من فرق المرجئة، التي تخص الإيمان بمعرفة الله ومعرفة رسله ومعرفة ما جاء من عنده.

وصاحب هذه المعرفة مؤمن كامل الإيمان عندهم، ولو أنكر قلبه وجحد لسانه الإيمان بالله وبرسله وكل ما جاء من عنده، لأن الإيمان هو المعرفة ليس إلا، وبناء على ذلك يكون إبليس مؤمنا، والمشركون واليهود والنصارى والمرتدون عن الإسلام مؤمنين، ما داموا يعرفون تلك المعرفة...

وكل من عرف تلك المعرفة عندهم فهو من أهل الجنة مطلقا، ولا يستحق العقاب ودخول النار، مهما أتى من الأعمال، كالقتل والسرقة والزنا وشرب الخمر وغير ذلك، أي إنهم على الضد من مذهب الخوارج والمعتزلة...

الأساس الثاني: التمسك بنصوص الوعد.

ومما احتج به المرجئة على مذهبهم الآيات والأحاديث التي وعد الله فيها عباده الموحدين بدخول الجنة والنجاة من النار، مثل قوله تعالى: (( قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) ) [سورة الروم (53) ]

ويدخل في ذلك كل النصوص التي وردت في القرآن أو السنة، مما وعد الله تعالى فيها عباده بالمغفرة والرحمة والعفو.

ومنها حديث أبي ذر رضي الله عنه، قالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب منى ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا، لقيته بمثلها مغفرة) [ صحيح مسلم ( 4/2068) رقم (2687) والحاكم في المستدرك من وجه آخر (4/269) وقال:"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"ويراجع مسند الإمام أحمد (5/148) وروى نحوه الترمذي من حديث أنس، (5/548) ]

الأساس الثالث: تأويل نصوص الوعيد

ومن غرائب تأويلهم ما سبق من أن كُلُّ مَنْ كَفَّرَهُ الشَّارِعُ، فَإِنَّمَا كَفَّرَهُ لعدم معرفته بالله، أو لِانْتِفَاءِ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ بِالرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

ومن ذلك تأويلهم نصوص الوعيد التي وردت في القرآن والسنة أو غيرهما من الكتب السماوية السابقة،إنما قصد به تخويف الناس لينزجروا عما نهوا عنه، وليس له حقيقة في الواقع، قال ابن تيمية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت