فهرس الكتاب

الصفحة 724 من 738

"وَقَدْ يَقُولُ حُذَّاقُ هَؤُلاءِ مِنْ الإسماعيلية وَالْقَرَامِطَةِ وَقَوْمٍ يَتَصَوَّفُونَ أَوْ يَتَكَلَّمُونَ وَهُمْ غَالِيَةُ الْمُرْجِئَةِ: إنَّ الْوَعِيدَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الْكُتُبُ الإلَهِيَّةُ، إنَّمَا هُوَ تَخْوِيفٌ لِلنَّاسِ لِتَنْزَجِرَ عَمَّا نُهِيَتْ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَقِيقَةٌ، بِمَنْزِلَةِ مَا يُخَوِّفُ الْعُقَلاءُ الصِّبْيَانَ وَالْبُلْهَ بِمَا لا حَقِيقَةَ لَهُ لِتَأْدِيبِهِمْ، وَبِمَنْزِلَةِ مُخَادَعَةِ الْمُحَارِبِ لِعَدُوِّهِ إذَا أَوْهَمَهُ أَمْرًا يَخَافُهُ لِيَنْزَجِرَ عَنْهُ أَوْ لِيَتَمَكَّنَ هُوَ مِنْ عَدُوِّهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ" [مجموع الفتاوى (19/150) ]

وتأولوا قوله تعالى (( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) )"فقالوا: لمن يشاء معناه لمن يشاء أن يؤمن"يعني أن من شاء الله تعالى إيمانه على مذهبهم، لا بد أن يغفر له، ولا يستحق العقاب. [يراجع كتاب التسهيل لعلوم التنزيل (1/145) للمفسر الأندلسي الكلبى]

وبهذا يعلم أنه لا يوجد عند غلاة المرجئة كافر على وجه الأرض، ممن عرف ربه بقلبه، فلا يعتبر كافرا ولا مرتدا من عرف ربه وجحد وحيه ورسالة رسله، أو أنكر شيئا معلوما من الدين بالضرورة، كأركان الإسلام...

وهو عكس مذهب الخوارج الذين يعتبر كل من عصا الله كافرا خارجا من ملة الإسلام... وهو مخلد عندهم وعند المعتزلة في النار، لا يخرج منها ولا يدخل الجنة مطلقا.

وبهذا يظهر كذلك ما بين الطائفتين: الخوارج والمعتزلة وغلاة المرجئة من التناقض الشديد، وضرب بعض النصوص ببعض.

مذهب جماهير أهل السنة

هذا المذهب يخالف المذهبين السابقين ويعتبر وسطا بينهما، حيث جمع أهل السنة بين نصوص الوعد ونصوص الوعيد، وأنزلوا كلا منها منزلته، بدون تعارض ولا تناقض.

فإذا كان المذهب الأول قد أفرط، ناظرًا إلى نصوص الوعيد وحدها، وفتح بناء على ذلك أبواب جهنم لعصاة المسلمين، وأغلق عنهم أبواب الجنة.

والمذهب الثاني قد فرط، ناظرًا إلى نصوص الوعد وحدها، وفتح أبواب الجنة لجميع العصاة حتى من وقع في الشرك الأكبر إذا كان قد عرف الله مجرد معرفة، أو صدق بقلبه فقط، وأغلق عنهم أبواب النار التي قامت الأدلة على دخول بعض عصاة المؤمنين فيها ثم خروجهم منها

فإن مذهب أهل السنة قد اعتدل، لجمعه بين نصوص الوعيد ونصوص الوعد معًا، فنزل كلا منهما منزلته.

فالذنب الذي يخلد صاحبه في النار ويجعله مرتدًا عن الإسلام، هو الكفر والشرك الأكبران اللذان يموت صاحبهما عليهما.

وما عداهما من الكبائر لا يخرج فاعله من الملة ولا يخلده في النار، بل هو تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه بقدر ذنبه ثم أخرجه من النار وأدخله الجنة، وإن شاء غفر له ابتداء.

وعلى هذا المذهب الحق دلت نصوص الكتاب والسنة..

كما قال تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ) ). [النساء:48] .

وقال تعالى: (( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ) )إلى أن قال: (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ) ). [الحجرات:9-10] . فجعل الطائفتين المقتتلتين من المؤمنين، وجعلهما إخوة لمن أصلح بينهما من المؤمنين.

وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أن من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ) [اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (1/19) ] .

و ( أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ) . [المرجع السابق (1/51) ] .

وفي هذه النصوص وأشباهها رد على الخوارج والمعتزلة، كما سبق و هو واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان.

والنصوص في هذا الباب كثيرة، فأهل الحق عملوا بالنصوص كلها، وأهل الباطل اقترفوا فأخذت كل طائفة منها"."

[راجع لهذا البحث.. شرح النووي رحمه الله على مسلم (1/150) وكذلك فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (7/188،222،217،242،258) ، (12/466)

و (10/230) وشرح الطحاوية ص293-118-479-501] .

إفراط، وتفريط، ووسطية

قال ابن تيمية:"فليس بين فقهاء الملة نزاع في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين باطنا وظاهرا بما جاء به الرسول وما تواتر عنه، أنهم من أهل الوعيد، وأنه يدخل النار منهم من أخبر الله ورسوله بدخوله إليها، ولا يخلد منهم فيها أحد، ولا يكونون مرتدين مباحي الدماء."

ولكن الأقوال المنحرفة، قول من يقول بتخليدهم في النار كالخوارج والمعتزلة، وقول غلاة المرجئة الذين يقولون: ما نعلم أن أحدا منهم يدخل النار، بل نقف في هذا كله، وحكي عن بعض غلاة المرجئة الجزم بالنفي العام" [مجموع الفتاوى (7/297) ] "

رد أهل السنة على الخوارج والمعتزلة.

ولبيان الرد على هؤلاء ينبغي الكلام على المسائل الخمس الآتية:

المسألة الأولى: خطر التكفير ومن له الحق في إطلاقه

المسألة الثانية: وجود نصوص يخالف ظاهرُها، ما استدل بظاهره الخوارج والمعتزلة من النصوص السابقة

المسألة الثالثة: وجوب الجمع بين النصوص التي قد يظهر منها التعارض.

المسألة الأولى: خطر التكفير، ومن له الحق في إطلاقه.

معلوم ما يعنيه دخول الإنسان في الإسلام، إنه يعني خروجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ويعني اهتداءه لصراط الله المستقيم، وترك سبل الشيطان عدو الإنسان.

ويعني أنه عضو في جماعة المسلمين له ما لهم من حقوق وعليه ما عليهم من واجبات، يتعاون معهم على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، ويعني أنه يطمع في مغفرة الله ورحمته وثوابه والنجاة من عقابه... ويعني فوق ذلك كله أنه أصبح من أهل الأمل في رضا الله والنجاة من سخطه...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت