فهرس الكتاب

الصفحة 731 من 738

الصنف الثالث: أصاب شيئا من المعاصي التي عاهد على تركها، ولم يعاقب عليه في الدنيا، بل ستره الله عليه، وهذا أمره إلى الله تعالى، إن شاء غفر له ابتداء وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه على معاصيه ثم أدخله الجنة، وهذا هو محل الشاهد من الحديث.

ويجب هنا التنبيه على ثلاثة أمور:

الأمر الأول: عدم دخول الشرك في العفو إذا لم يتب متعاطيه، بأدلة أخرى كما سبق وبإجماع الأمة.

الأمر الثاني: أن في الحديث وعدا بالعفو عمن أصاب شيئا من الكبائر وإن لم يتب.

الأمر الثالث: أن الذنوب الموعود بالعفو عنها هي الكبائر، لا الصغائر فقط كما يدعي الخوارج والمعتزلة، بدليل أن ما ذكر في الحديث من الذنوب، كله من أكبر الكبائر، وهي الزنا والسرقة وقتل النفس التي حرم الله...

4-التفريق بين مرتكب الكبائر والمرتدين.

فقد فرق شرع الله، من الكتاب والسنة بين مرتكبي الكبائر، وبين المرتدين، فجعل عقوبة بعض الكبائر التي يكفر بها الخوارج من تعاطاها، الحدود والقصاص، وجعل عقوبة المرتد القتل، ولو كان مرتكبو الكبائر من أهل القبلة كفارا، لكانوا مرتدين ولكانت عقوبتهم القتل ردة.

قال ابن تيمية رحمه الله:

"ويقال للخوارج الذين نفوا عن السارق والزاني والشارب وغيرهم الإيمان، هو لم يجعلهم مرتدين عن الإسلام، بل عاقب هذا بالجلد وهذا بالقطع ولم يقتل أحدا، إلا الزاني المحصن، ولم يقتله قتل المرتد فإن المرتد يقتل بالسيف بعد الاستتابة، وهذا يرجم بالحجارة بلا استتابة."

فدل ذلك على أنه وإن نفى عنهم الإيمان، فليسوا عنده مرتدين عن الإسلام مع ظهور ذنوبهم، وليسوا كالمنافقين الذين كانوا يظهرون الاسلام ويبطنون الكفر، فأولئك لم يعاقبهم إلا على ذنب ظاهر" [مجموع الفتاوى (7/298) ] "

المسألة الثالثة: وجوب الجمع بين ما ظاهره التعارض من الأدلة

وإذ قد تبين لنا من نصوص القرآن والسنة في المسألة الثانية الدلالة الواضحة على غفران الله تعالى كبائر الذنوب - غير الشرك - لمن شاء عباده، وأنه يخرج من النار من دخلها منهم، وأن من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، وجب الجزم بأنه لا تعارض بين هذه النصوص وبين النصوص التي استدل بها الخوارج والمعتزلة، لإمكان الجمع بينها.

الأصل عدم تعارض أدلة الشريعة

إن أدلة الشريعة الثابتة في القرآن والسنة، لا يحصل بينها تعارض عند الراسخين المحققين من علماء الأمة، لأنها وحي من الله، والوحي معصوم من التعارض والتناقض، وإنما يحصل التعارض بين ظواهرها عند غير الراسخين في العلم، أو عند أهل الأهواء والبدع...

وهذا ما عناه الشاطبي رحمه الله، بقوله:"كل من تحقق بأصول الشريعة فأدلتها عنده لا تكاد تتعارض، كما أن كل من حقق مناط المسائل فلا يكاد يقف في متشابه، لأن الشريعة لا تعارض فيها ألبتة، فالمتحقق بها متحقق بما في الأمر، فيلزم أن لا يكون عنده تعارض."

ولذلك لا تجد ألبتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما، بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ أمكن التعارض بين الأدلة عندهم" [الموافقات (4/294) ] "

وقال في موضع آخر:"ولذلك لا تجد فرقة من الفرق الضالة ولا أحد من المختلفين في الأحكام لا الفروعية ولا الأصولية، يعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة، وقد مر من ذلك أمثلة، بل قد شاهدنا ورأينا من الفساق من يستدل على مسائل الفسق بأدلة ينسبها إلى الشريعة المنزهة" [الموافقات (3/76) ]

وإذا ظهر تعارض للمجتهد بين دليلين، فلا يخلو الأمر من إمكان الجمع بينهما، أو عدم إمكانه، فإن أمكن الجمع وجب الأخذ به، بحمل كل منهما على معنى يخرجهما عن التعارض.

وإن لم يمكن الجمع بعد التحقيق الصادر من المجتهد في العلم، وجب الترجيح بينهما، وإن تعذر الترجيح وعلم تاريخ المتقدم منهما فهو منسوخ والمتأخر ناسخ.

ويجب أن يعلم أنه لا يحصل تعارض بين قطعيين، بل بين قطعي وظني، أو بين ظنيين، والقطعي مقدم على الظني.

قال الشاطبي رحمه الله:"ومعلوم أن الناسخ والمنسوخ إنما هو فيما بين دليلين يتعارضان، بحيث لا يصح اجتماعهما بحال، وإلا لما كان أحدهما ناسخا والآخر منسوخا، والفرض خلاف" [الموافقات)4/121)]

وقال رحمه الله، وهو يرد على المبتدعة [ومنهم الخوارج والمعتزلة] الذين يردون الأحاديث الصحيحة الثابتة، بحجة معارضتها للقرآن العظيم:

"فإما أن لا يمكن الجمع بينهما أصلا وإما أن يمكن، فإن لم يمكن فهذا الفرض بين قطعي وظني أو بين ظنيين، فأما بين قطعيين فلا يقع في الشريعة ولا يمكن وقوعه لأن تعارض القطعيين محال."

فإن وقع بين قطعي وظني بطل الظني، وإن وقع بين ظنيين فهاهنا للعلماء فيه الترجيح والعمل بالأرجح متعين.

وإن أمكن الجمع، فقد اتفق النظار على إعمال وجه الجمع وإن كان وجه الجمع ضعيفا، فإن الجمع أولى عندهم، وإعمال الأدلة أولى من إهمال بعضها، فهؤلاء المبتدعة لم يرفعوا بهذا الأصل رأسا إما جهلا به أو عنادا..." [الاعتصام (2/247) ] "

وقال النووي رحمه الله:"وأما إذا تعارض حديثان في الظاهر، فلا بد من الجمع بينهما أو ترجيح أحدهما، وانما يقوم بذلك غالبا الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون المتمكنون في ذلك الغائصون على المعاني الدقيقة الرائضون أنفسهم في ذلك."

فمن كان بهذه الصفة لم يشكل عليه شيء من ذلك إلا النادر في بعض الأحيان.

ثم المختلف قسمان: أحدهما يمكن الجمع بينهما فيتعين ويجب العمل بالحديثين جميعا، ومهما أمكن حمل كلام الشارع على وجه يكون أعم للفائدة تعين المصير إليه، ولا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع، لأن في النسخ إخراج أحد الحديثين عن كونه مما يعمل به..." [شرح النووي على صحيح مسلم (1/35) ] "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت