فهرس الكتاب

الصفحة 732 من 738

وقال شيخنا العلامة محمد الأمين الشنقيطي، رحمه الله، بعد أن ذَكَر اختلاف العلماء في كفر تارك الصلاة عمدا:

"هذا هو حاصل كلام العلماء وأدلتهم في مسألة ترك الصلاة عمدا مع الاعتراف بوجوبها، وأظهر الأقوال أدلةً عندي قول من قال: إنه كافر وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث، قول الجمهور: إنه كفر غير مخرج عن الملة، لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن."

وإذا حُمِلَ الكفر والشرك المذكوران في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج عن الملة، حصل بذلك الجمع بين الأدلة.

والجمع واجب إذا أمكن، لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما كما هو معلوم في الأصول وعلم الحديث.

وقال النووي في شرح المهذب،بعد أن ساق أدلة من قالوا إنه غير كافر ما نصه:"ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويورثون عنه، ولو كان كافرا لم يغفر له ولم يرث ولم يورث"

وأما الجواب عما احتج به من كفره من حديث جابر وبريدة ورواية ابن شقيق، فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو القتل، وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها.."انتهى محل الغرض منه"

[أضواء البيان - الشنقيطي (3/456) ]

وبهذا يعلم أن الواجب هو الجمع بين نصوص الوعيد الواردة في القرآن والسنة الصحيحة التي استدل بها الخوارج والمعتزلة على تكفير مرتكبي الكبائر من مسلمي هذه الأمة، وبين نصوص الوعد التي استدل بها أهل السنة والجماعة...

وقد سلك هذا المسلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغيرهم من سلف هذه الأمة.

ومنهم حَبْر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما، قال:"إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرا ينقل عن الملة. (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) )كفر دون كفر"[الحاكم في المستدرك (2/342) رقم (3219) وقال:"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"

ويمكن مراجعة التفاسير الآتية"تفسير القرآن العظيم لابن كثير (2/62) وجامع الأحكام للقرطبي (6/190) وما بعدها و تفسير البغوي (2/41) وفتح القدير للشوكاني (2/ 45) وأحكام القرآن للجصاص (4/93) ]"

قال شارح الطحاوية:"وهنا أمر يجب أن يتفطن له، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرا ينقل عن الملة."

وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة، ويكون كفرا إما مجازيا، وإما كفرا أصغر على القولين المذكورين، وذلك بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه أو استهان به مع تيقنه أنه حكم، الله فهذا كفر أكبر.

وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله وعلمه في هذه الواقعة وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاص ويسمى كافرا كفرا مجازيا، أو كفرا أصغر.

وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه، فهذا مخطئ له أجر على اجتهاده وخطؤه مغفور." [شرح الطحاوية (1/364) ] "

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله:" (( ومن لم يحكم بما أنزل الله ) )من الحق المبين، وحَكَمَ بالباطل الذي يعلمه لغرض"

من أغراضه الفاسدة (( فأولئك هم الكافرون ) )فالحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر، وقد يكون كفرا ينقل عن الملة وذلك إذا اعتقد حله وجوازه، وقد يكون كبيرة من كبائر الذنوب ومن أعمال الكفر قد استحق من فعله العذاب الشديد" [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (1/233) ] "

وينطبق هذا الجمع على ماورد من النصوص ظاهره كفر من ارتكب كبيرة ولم يتب منها، وما ورد ظاهره معارضا لها.

تَعَيُّنُ الجمع بين النصوص.

فيجب الجمع بين النصوص النافية للإيمان عن مرتكبي الكبائر، والنصوص المثبتة لإيمانهم.

مثل: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنة من لا يأمن جارُه بوائقَه) [صحيح البخاري (5/2240) رقم (5670) وصحيح مسلم (1/68) ورقم (46)

ومثله حديث عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. قال: (إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس) [صحيح مسلم (1/93) رقم (91) ]

فقد نفى صلى الله عليه وسلم، عمن آذى جاره فخدعه أو خانه دخول الجنة، ونفى ذلك عمن كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولو حمل الحديثان على ظاهرهما - وهو عدم دخوله الجنة -لما كان بينهما وبين من يعبد الأوثان فرق، لاشتراكهم في الخلود في النار، وهو مذهب الخوارج والمعتزلة، وجهلة المغالين في التكفير ممن قد ينتسبون إلى أهل السنة، ولكان في ذلك إهدار لمعاني كل ما ورد من النصوص الدالة على غفران الله ذنوب من لقي الله لا يشرك به شيئا، والنصوص التي تضمنت خروج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان بشفاعة وبغير شفاعة.

ومثل نفيِ دخول الجنة عمن ارتكب كبيرة، نفْيُ الإيمان عنه كحديث ابي هريرة - أيضا - الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن.) [البخاري (2/875) رقم (2343) ومسلم (1/76)

فهذان الحديثان وغيرهما من الأحاديث التي نُفِيَ فيها الإيمانُ أو دخولُ الجنة عن مرتكبي الكبائر، يدل ظاهرها على سلب الإيمان عنهم، وسلب الإيمان يقتضي ظاهره إثبات الكفر المخرج لهم من الملة وعدم مغفرة الله لهم وخلود هم في النار...

والأخذ بظاهر هذين الحديثين وما في معناهما يلزم منه إهدار نصوص كثيرة من القرآن والسنة، وقد مضى ذكر بعضها في المسألة الثانية...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت