وقد يكون بعض من تظهر عليهم قرائن النفاق، ليس نفاقهم نفاقا عَقَدِيا، بل قد يصدر ذلك منهم عن جهل أو تأويل، وقد يرجعون عن ذلك إذا أقيمت عليهم الحجة...
رأي الإمام الشافعي في المنافقين
وقد بين الإمام الشافعي رحمه الله أن المنافقين لا يدخلون في أحكام المرتدين، مع شدة كفرهم، بل تجري عليهم في الدنيا أحكام المسلمين، واستدل على ذلك بأدلة من القرآن والسنة، ومما قاله فذلك ما يأتي:
"قال الشافعي رحمه الله:"قال الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) )إلى (( يفقهون ) ).
قال الشافعي: فبين أن إظهار الإيمان ممن لم يزل مشركا حتى أظهر الإيمان، وممن أظهر الإيمان ثم أشرك بعد إظهاره ثم أظهر الإيمان، مانع لدم من أظهره في أي هذين الحالين كان، وإلى أي كفر صار كفر يسره أو كفر يظهره، وذلك أنه لم يكن للمنافقين دين يظهر كظهور الدين الذي له أعياد وإتيان كنائس، إنما كان كفر جحد وتعطيل.
وذلك بين في كتاب الله عز وجل ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن الله عز وجل أخبر عن المنافقين بأنهم اتخذوا أيمانهم جنة، يعني والله أعلم من القتل، ثم أخبر بالوجه الذي اتخذوا به أيمانهم جنة فقال: (( ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا.. ) )
فأخبر عنهم بأنهم آمنوا ثم كفروا بعد الإيمان كفرا، إذا سئلوا عنه أنكروه وأظهروا الإيمان وأقروا به وأظهروا التوبة منه، وهم مقيمون فيما بينهم وبين الله على الكفر، قال الله جل ثناؤه (( يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ) ).
فأخبر بكفرهم وجَحْدهم وكذب سرائرهم، وذكر كفرهم في غير آية، وسماهم بالنفاق إذ أظهروا الإيمان وكانوا على غيره، قال جل وعز: (( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا ) )
فأخبر عز وجل عن المنافقين بالكفر، وحكم فيهم بعلمه من أسرار خلقه ما لا يعلمه غيره، بأنهم في الدرك الأسفل من النار، وأنهم كاذبون بأيمانهم، وحكم فيهم جل ثناؤه في الدنيا بأن ما أظهروا من الإيمان، وإن كانوا به كاذبين، لهم جنة من القتل وهم المسرون الكفر المظهرون الإيمان.
وبين على لسانه صلى الله عليه وسلم، مثل ما أنزل في كتابه من أن إظهار القول بالإيمان جنة من القتل أقر من شُهِد عليه [بالكفر] بالإيمان بعد الكفر أو لم يقر، إذا أظهر الإيمان فإظهاره مانع من القتل.
وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا حقن الله تعالى دماء من أظهر الإيمان بعد الكفر، أن لهم حكم المسلمين من الموارثة والمناكحة وغير ذلك من أحكام المسلمين.
فكان بينا في حكم الله عز وجل في المنافقين ثم حكم رسوله صلى الله عليه وسلم، أن ليس لأحد أن يحكم على أحد بخلاف ما أظهر من نفسه، وأن الله عز وجل إنما جعل للعباد الحكم على ما أظهر، لأن أحدا منهم لا يعلم ما غاب إلا ما علمه الله عز وجل، فوجب على من عقل عن الله أن يجعل الظنون كلها في الأحكام معطلة فلا يحكم على أحد بظن وهكذا دلالة سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كانت لا تختلف""
وقال في موضع آخر:
"قال الشافعي:"وأخبر الله جل ثناؤه عن المنافقين في عدد آي من كتابه بإظهار الإيمان والاستسرار بالشرك، وأخبرنا بأن قد جزاهم بعلمه عنهم بالدرك الأسفل من النار، فقال: (( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا ) )
فأعلم أن حكمهم في الآخرة النار بعلمه أسرارهم، وأن حكمه عليهم في الدنيا إن أظهروا الإيمان جُنَّة لهم، وأخبر عن طائفة غيرهم فقال: (( وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ) )
وهذه حكاية عنهم وعن الطائفة معهم، مع ما حكي من كفر المنافقين منفردا، وحكي من أن الإيمان لم يدخل قلوب من حكي من الأعراب.
وكل من حقن دمه في الدنيا بما أظهر مما يعلم جل ثناؤه خلافه من شركهم، لأنه أبان أنه لم يول الحكم على السرائر غيره، وأن قد ولي نبيه الحكم على الظاهر وعاشرهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقتل منهم أحدا ولم يحبسه ولم يعاقبه ولم يمنعه سهمه في الإسلام إذا حضر القتال، ولا مناكحة المؤمنين وموارثتهم والصلاة على موتاهم وجميع حكم الإسلام وهؤلاء من المنافقين" [الأم (6/157 -(6/166) ] "
قلت: قد يشكل على ما سبق من تطبيق أحكام الإسلام على المنافقين، كما تطبق على غيرهم من المسلمين، نَهيُ الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عليهم بعد أن صلى على رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول، كما قال تعالى: (( وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ) ) [التوبة (( 84 ) )]
كما حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال:"لما مات عبد الله بن أبي بن سلول، دعي له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبت إليه، فقلت: يا رسول الله! أتصلي على بن أبي وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا أعدد عليه قوله."
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: (أخر عني يا عمر) فلما أكثرت عليه، قال: (إني خيرت فاخترت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها)
قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة: (( ولا تصل على أحد منهم مات أبد ) )إلى (( وهم فاسقون ) )
قال فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ والله ورسوله أعلم" [صحيح البخاري (1/459) رقم (1300) ورواه من حديث عبد الله ابن عمر بلفظ آخر (1/ص427) رقم (1210) وهو صحيح مسلم (4/ 1865) رقم (2400) ] "