وقد أجاب الشافعي رحمه الله على هذا الإشكال، بقوله في تفسير الآية:
"فأما أمره أن لا يصلي عليهم، فإن صلاته بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم مخالفة صلاة غيره، وأرجو أن يكون قضى إذ أمره بترك الصلاة على المنافقين، أن لا يصلي على أحد إلا غفر له، وقضى أن لا يغفر لمقيم على شرك، فنهاه عن الصلاة على من لا يغفر له"
قال الشافعي ولم يمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليهم مسلما ولم يقتل منهم بعد هذا أحدا" [أحكام القرآن للشافعي (1/297) ] "
وتوسع في الجواب على هذا الإشكال في"الأم":
"فإن قال قائل فإن الله عز وجل قال: (( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ) )إلى قوله: (( فاسقون ) )؟"
فإن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مخالفة صلاة المسلمين سواه، لأنا نرجو أن لا يصلى على أحد إلا صلى الله عليه ورحمه، وقد قضى الله إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا.
وقال جل ثناؤه: (( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) )
فإن قال قائل: ما دل علي الفرق بين صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نهى عنهم، وصلاة المسلمين غيره؟
فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى عن الصلاة عليهم بنهى الله له، ولم ينه الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم عنها، ولا عن مواريثهم...
قال الشافعي: وقد عاشروا أبا بكر وعمر وعثمان أئمة الهدي وهم يعرفون بعضهم، فلم يقتلوا منهم أحدا، ولم يمنعوه حكم الإسلام في الظاهر، إذ كانوا يظهرون الإسلام.
وكان عمر يمر بحذيفة بن اليمان إذا مات ميت، فإن أشار عليه أن اجلس جلس واستدل على أنه منافق، ولم يمنع من الصلاة عليه مسلما، وإنما يجلس عمر عن الصلاة عليه لأن الجلوس عن الصلاة عليه، مباح له في غير المنافق إذا كان لهم من يصلي عليهم سواه..." [الأم (1/259- 260) ] "
وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله أن النهي عن الصلاة على المنافقين، كان في عدد معين منهم، قال:
"ظاهر الآية أنها نزلت في جميع المنافقين، لكن ورد ما يدل على أنها نزلت في عدد معين منهم، قال الواقدي: أنبأنا معمر عن الزهري قال قَال: حذيفة: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني مسر إليك سرا فلا تذكره لأحد، إني نهيت أن أصلي على فلان وفلان رهط ذوي عدد من المنافقين" [فتح الباري فتح الباري(8/387-338) ]
وبهذا يتضح أن الأصل بقاء تطبيق أحكام الإسلام على كل من أظهر الإسلام منهم، ولو ظهرت على بعضهم علامات النفاق، وأن النهي عن الصلاة عليهم خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم، بدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينه المسلمين عن الصلاة عليهم، وأن الصحابة استمروا في الصلاة عليهم، وأن عمر رضي الله عنه الذي قال لرسول صلى الله عليه وسلم عندما أراد الصلاة على ابن أبي.
حكم إسناد الولايات العامة للمنافقين.
سبق أن الرسول صلى الله عليه وسلم عاشر المنافقين كما عاشر عامة المسلمين في أحكام الدنيا، ولكنه لم يأتمن أحدا منهم - فيما أعلم - على مصالح الأمة في وظائفهم العامة، فلم يسند إليهم جباية الأموال، ولا الإمارة في الحرب، ولا القضاء بين الناس، ولا إمامتهم في الصلاة، ولا غيرها من الولايات التي يتمكنون بها من تدبير شئون المسلمين.
والسبب في ذلك أنهم يكفرون بالله ورسوله، ويحاربون الله ورسوله والمؤمنين، يضاف إلى ذلك فقدهم الأمانة التي هي أحد أسس الولايات على المسلمين.
والأمانة مطلب أساسي عند المسلم وغير المسلم، فقد أغرت فتاة مدين أباها الصالح باستئجار موسى عليه السلام، بصفتين عظيمتين يقل في كثير من الناس اجتماعهما:
الصفة الأول: الأمانة.
والصفة الثانية: القوة.
كما قال تعالى عنها: (( قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ ) ) [القصص (26) ]
وكانت الأمانة من أعظم الصفات التي جعلت ملك مصر، وهو غير مسلم، يمكين يوسف عليه السلام من الولاية على أهم الوظائف في عهده، وهي"خزائن الأرض"كما قال تعالى:
(( وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ(54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55 ) ))
لقد أكَّد الله سبحانه وتعالى فرض أداء الأمانات إلى أهلها، فقال: (( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ) ) [النساء: (58) ] .
قال القرطبي رحمه الله:
"هذه الآية من أمهات الأحكام تضمنت جميع الدين والشرع".
ثم ذكر الخلاف في المراد بالمخاطب بها، ورجح العموم فقال:
"والأظهر أنها عامة في جميع الناس، فهي تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال ورد الظلامات والعدل في الحكومات، وتتناول من دونهم". إلى أن قال:"فالآية شاملة بنظمها لكل أمانة". [الجامع لأحكام القرآن (5/255ـ257) ] .
وأخبر صلى الله عليه وسلم أن إضاعة الأمانة من علامات الساعة، وأن من أبرز إضاعتها إسناد الأمور إلى غير أهلها، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة) قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: (إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) . [البخاري (7/188) ] ."