الثاني: التنزُّل إلى بيت العزة في السماء الدنيا، واستدلوا بأحاديث موقوفة على ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ منها قوله:"فُصِل القرآنُ من الذِّكْر فوُضِع في بيت العزة من السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل به على النبي ـ صلى الله عليه وسلم."
وفي الحق فإن التنزل الأول لا يخص القرآن وحده، وشأنه في ذلك شأن سائر ما علمه الله تعالى وسجَّله في اللوح المحفوظ، وأشارت إليه الآية الكريمة: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير) (الحديد: 22) .
والآية الأخرى: (لا يعزُب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا في أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين) (سبأ: 3) .
أما التنزل الثاني إلى بيت العزة فليس فيه حديث مرفوع إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحقائق الغيب لا يكفي فيها مثل هذه الموقوفات.
وهذه الليلة التي تلقَّى فيها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أولى إشرافات الوحي هي خير من ألف شهر، وهذا العدد مُراد به التكثير والتفخيم، فإن ليلةً بدأ فيها نور الإسلام، وتنزَّل فيها منهج الحياة المُثلَى، وتحمل فيها سيدنا محمد رسالة إلى العالمين تخرجهم من الظلمات إلى النور لَهِي ليلة عظيمة الشأن خير من الدنيا بأسرها.
وقوله تعالى: (تَنَزَّل الملائكة والروح فيها) تعبير بالفعل المضارع بدلًا من الماضي لاستحضار الصورة الروحانية التي تجلَّت في ليلة الغار، حيث نزل جبريل الأمين بالوحي القرآني التي تجلت في ليلة الغار، حيث نزل جبريل الأمين بالوحي القرآني مصحوبًا بكوكبة من الملائكة تحرس الوحي المنزَّل حتى يَصِل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مصونًا من تلبيس إبليس، كما قال الله تعالى: (عالِمُ الغيبِ فلا يُظهرُ على غيبه أحدًا. إلا مَن ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدًا. ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددًا) (الجن: 26 ـ 28) .