وعلى هذا لا يصح شرعًا مباشرةُ أيّ عمل ممّن تجب عليه الجمعة وقت النداء؛ لأنه تعطيل لتلك الشعيرة الخالدة، وقد قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ كما في صحيح مسلم:"لَيَنتَهِيَنَّ أقوامٌ عن وَدْعِهم الجُمعاتِ أو لَيَختِمَنَّ اللهُ على قلوبِهم ثم لَيكونَنَّ من الغافلين"ثم قالت الآية التالية: (فإذا قُضيَت الصلاةُ فانتَشِروا في الأرض وابتَغُوا من فضل الله واذكروا اللهَ كثيرًا لعلكم تُفلحون) .
فالمسألة ليس تعطيلًا عن الإنتاج أو إعاقةً لسير العمل، وإنما هي في الحقيقة تزوُّد بخير الزاد وهو التقوى، وامتلاء القلب بالإيمان وانشراح الصدر بتقوى الله حتى يستطيع المسلم مواصلة الحياة الجادة الطاهرة، ولذا كان هذا الامر الإلهيّ بالانتشار في الأرض وعمارة الكون وابتغاء فضل الله في الرزق الحلال. ويُروَى أن عِرَاك بن مالك ـ رضي الله عنه ـ كان إذ صلّى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللهم إني أجبتُ دعوتَك وصلَّيتُ فريضتَك وانتشرتُ كما أمَرتَني فارزُقني من فضلك وأنت خيرُ الرازقين.
ثم كانت الآية الثالثة: (وإذا رأوا تجارةً أو لهوًا انفضُّوا إليها وترَكوك قائمًا قل ما عند الله خيرٌ من اللهوِ ومن التجارة واللهُ خيرُ الرازقين) فيجب ألَّا تَشغَلَنا أهلُونا وأموالُنا عن مبادئ الدين وقِيَم الحياة المُثلى، فليست الحياة مجرد مآكلَ ومشاربَ وشهوةٍ، وإلا فالحيوان الأعجم أوفرُ حظًّا منَّا، وإنما الحياة في حقيقتها قبل ذلك وبعده هي مِنّة من الله الذي يهدي للتي هي أقوَمُ.