جاء في الصحيح عن جابر بن عبد الله أن النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يخطب قائمًا يوم الجمعة، فجاءت عير من الشام فانفتَلَ الناس إليها، حتى لم يَبقَ إلا اثنَا عشرَ رجلًا، فنزلت هذه الآية في الجمعة (وإذا رأوا تجارةً أو لهوًا انفَضُّوا إليها وترَكوك قائمًا) .
هنا موقف يجب التأمل فيه واتخاذ العبرة منه، إن النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان خطيبًا في الناس يوم الجمعة فأقبلَت عير لأحد التجار عليها طعام وبضاعة وأحدَثَت جَلَبة في المكان، فانصرف الناس عن سماع الخطبة وخرجوا يَلتمسون الشراء أو يَستطلعون الخبر، ولم يبق مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المسجد إلا اثنا عشر رجلًا، منهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله.
وذكر أبو داود في"مراسيله"أن خطبة النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذه التي انفَضُّوا عنها إنما كانت بعد صلاة الجمعة وظنُّوا أنه لا شيء عليهم في الانفضاض عن الخطبة، وأنه قبل هذه القضية إنما كان يصلّي قبل الجمعة.
وأيًّا ما كان فإن الوحي الإلهيّ قد نزل مبيِّنًا أدب المسلمين وقت الخطبة والصلاة، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نُوديَ للصلاة من يوم الجمعة فاسعَوا إلى ذكر الله وذَرُوا البيعَ ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون) فعند النداء لصلاة الجمعة يجب السعي إليها، والمراد به الاهتمام بها وعقد القلب عليها والذهاب إلى المسجد في وقار وسكينة. وليس المراد بالسعي المشيَ السريعَ، فهذا منهيّ عنه، ففي الصحيح أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"إذا أتيتم الصلاة فامشُوا وعليكم السكينةُ، فما أدركتم فصلُّوا وما فاتكم فأتِمُّوا".
وشأن المسلمين ألَّا يحصل بينهم بيع وشراء أو معاملة أثناء نداء الجمعة، فإن اتفاق العلماء على حرمة ذلك. واختلفوا: هل يصح العقد أم لا؟ والظاهر بطلان العقد.