قال الإمام النوويّ: وفي هذا الحديث استحباب تلطف السائل في عبارته وسؤاله العالم. وفيه تواضع النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورفقُه بالمسلمين وشفقتُه عليهم وخفضُ جناحه لهم. وفيه المبادرةُ إلى جواب المستفتي وتقديمُ أهمّ الأمور فأهمّها. ولعله كان سأل عن الإيمان وقواعده المهمة، وقد اتفق العلماء على أن من جاء يسأل عن الإيمان وكيفية الدخول في الإسلام وجب إجابته وتعليمه على الفور. وقعودُه ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الكرسيّ ليسمع الباقون كلامَه ويَرَوا شخصَه الكريم. ويحتمل أن هذه الخطبة التي كان النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيها خُطبةُ أمرٍ غير الجمعة ولهذا قَطَعها بهذا الفصل الطويل، ويَحتمل أنها كانت الجمعة واستأنَفَها، ويَحتمل أنه لم يَحصل فصلٌ طويل، ويَحتمل أن كلامه لهذا الغريب كان متعلقًا بالخطبة فيكونَ منها ولا يضرّ المشيُ في أثنائها.
هذا، وإن خُطبة الجمعة لَوَثيقةُ الصلاة بحياة المسلمين أفرادًا وجماعات، فمعرفة سبيل الرشاد والنواصي، وتوثيق عُرَى الأواصر الاجتماعية، والإبقاءُ على نقاء العقيدة وطُهرة السلوك، وتحديدُ ملامح المجتمع الإسلاميّ سياسيًّا واقتصاديًّا وحضاريًّا ـ كل ذلك مرتبط بخطبة الجمعة. وإن مصير المسلمين يتحدد دائمًا من فوق المنبر، فقد بدأ تاريخهم السياسيّ من فوق منبر الرسول في المدينة، وتوالى بعده منبر دمشق ومنبر بغداد ومنبر الأزهر ومنابر المساجد في مشارق الأرض ومغاربها.
إن المنبر وسيلة وغاية، فهو وسيلة لدعوة الناس إلى الله قد يصاحبه فيها أجهزة أخرى، ولكنها جميعًا تسعى لغاية واحدة هي العودة بالناس إلى المسجد ليكون المنبر وحده هو مصدر الصوت الإلهيّ المقدس (وأن المساجدَ لله فلا تَدعُوا مع الله أحدًا) .
وقت الجمعة