فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 296

هذا الحديث الشريف يبين لنا حرص سيدنا رسول الله على أمته، فعند الخطبة المتعلقة بأمر عظيم ينفعل انفعالًا يتناسب مع الموقف، وقد سجل القرآن المجيد هذا المعنى عندما قال: (لقد جاءكم رسولٌ من أنفسِكم عزيزٌ عليه ما عَنِتُّم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيمٌ) لكن هذا الانفعال لا يخرج عن حدوده المعقولة ولا ينقلب إلى حركة هَوجَاء، وأخرج مسلم في صحيحه أن عمارة بن رُؤَيبة رأى بِشرَ بن مروان على المنبر رافعًا يدَيه فقال: قبَّح الله هاتَين اليدَين، لقد رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يَزيد على أن يقول بيده هكذا. وأشار بأصبعه المسبِّحة.

ولم تكن خطبة رسول الله طويلة مُمِلّة بل كانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا، وليست القضية متعلقة بالكَمّ الذي يقال وإنما هي أساسًا متعلقة بصدق العبادة وإخلاص القصد وحكمة التوجيه ومراعاة مقتَضَى الحال.

ولا بأس بتصحيح أوضاع طارئة أثناء الخطبة، فإن ارتباط الحكم بسبب يجعله أوقَعَ وأثبَتَ، وتَحكي كتب الصحاح أن سُلَيكًا الغَطَفانيّ جاء يوم الجمعة ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخطب، فجلس، فقال له:"يا سُلَيك، قُم فاركَع ركعتَين وتَجوَّزْ فيهما"ثم قال إذا:"جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فلْيَركَعْ ركعتَين ولْيتَجوَّزْ فيهما".

ويَحكي أبو رفاعة فيقول: انتهيت إلى النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يخطب فقلت: يا رسول الله، رجل غريب جاء يسأل عن دينه ولا يدري ما دينه. قال: فأقبَل عليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وترَك خُطبته حتى انتهى إليَّ، فأُتيَ بكرسيّ حسبتُ قوائمه حديدًا، فقعد عليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجعل يعلّمني مما علّمه الله، ثم أتى خطبته فأتمّ آخرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت