عَلَى ذَلِكَ ابْنُ حَامِدٍ وَالْقَاضِي وَالأَصْحَابُ, فَهَذَا قَدْ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّتَانِ فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَلاَ إشْكَالَ عَلَى هَذَا وَإِنْ حُمِلَ عَلَى إطْلاَقِهِ وَهُوَ الَّذِي اقْتَضَاهُ كَلاَمُ الأَكْثَرِينَ فَهُوَ وَجْهٌ آخَرُ وَنُصُوصُ أَحْمَدَ وَأُصُولُهُ تُخَالِفُهُ كَنَصِّهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا فِي الْوَصِيَّةِ بِالْعَبْدِ لاِثْنَيْنِ وَنَصِّهِ عَلَى أَنَّ مَنْ وَصَّى لِزَيْدٍ بِشَيْءٍ وَلِجِيرَانِهِ بِشَيْءٍ وَزَيْدٌ مِنْ جِيرَانِهِ أَنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ مِنْ الْوَصِيَّةِ لِلْجِيرَانِ شَيْئًا, وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ أَنَّ الأَصْحَابَ اسْتَشْكَلُوا مَسْأَلَةَ الْخِرَقِيِّ وَأَنْكَرُوهَا عَلَيْهِ وَنَسَبُوهُ إلَى التَّفَرُّدِ بِهَا.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ فِي كَلاَمَيْنِ مُنْفَرِدَيْنِ فَهَاهُنَا حَالَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا لاَ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ عَنْ كَلاَمِهِ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهُ كَالأَقَارِيرِ وَالشَّهَادَاتِ وَالْعُقُودِ فَيَقَعُ التَّعَارُضُ فِي الشَّهَادَاتِ وَلاَ يَكُونُ الإِقْرَارُ الثَّانِي وَلاَ الْعَقْدُ الثَّانِي رُجُوعًا عَنْ الأَوَّلِ هَكَذَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدِ من الْمُتَأَخِّرِينَ مَعَ أَنَّ كَلاَمَ أَحْمَدَ وَأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي أَنَّ الْخَاصَّ لاَ يَدْخُلُ فِي الْعَامِّ لَيْسَ فِيهِ تَفْصِيلٌ بَيْنَ الْكَلاَمِ الْوَاحِدِ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْخَاصَّ لاَ يَدْخُلُ فِي الْعَامِّ مُطْلَقًا وَيَكُونُ تَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ قَرِينَةً مُخَرَّجَةٍ مِنْ الْعُمُومِ مَا لَمْ يُعَارِضْ ذَلِكَ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي دُخُولَهُ فِيهِ وَعَلَى تَقْدِيرِ دُخُولِهِ فِيهِ بِقَرِينَةٍ أَوْ مُطْلَقًا فَإِذَا تَعَارَضَ دَلاَلَةُ الْعَامِّ وَدَلاَلَةُ الْخَاصِّ فِي شَيْءٍ فَهَلْ تَرجح دَلاَلَةُ الْخَاصِّ أَمْ يَتَسَاوَيَانِ ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ أَنَّهُمَا يَتَسَاوَيَانِ وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ أَنَّهُ يُقَدَّمُ دَلاَلَةُ الْخَاصِّ وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا وَالأَصْحَابُ كُلُّهُمْ فِي مَسْأَلَةِ تَخْصِيصِ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَفِي مَسْأَلَةِ تَقْدِيمِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَإِنْ عَلِمَ تَقَدُّمَ الْخَاصِّ حَتَّى قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ: لاَ يَجُوزُ أَنْ يَنْسَخَ الْعَامُّ الْخَاصَّ;لاِنَّهُ لَيْسَ بِمُسَاوٍ لَهُ.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَة: أَنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ مُمْكِنًا كَالْوَصِيَّةِ وَعَزْلُ الإِمَامِ لِمَنْ يُمْكِنُهُ عَزْلُهُ وَوِلاَيَتُهُ فَهَذَا يُشْبِهُ تَعَارُضَ الْعَامِّ الْخَاصَّ فِي كَلاَمِ الشَّارِعِ فِي الأَحْكَامِ وَفِي ذَلِكَ ثَلاَثُ رِوَايَاتٍ: أَشْهَرُهُنَّ: تَقْدِيمُ الْخَاصِّ مُطْلَقًا وَتَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِهِ سَوَاءٌ جَهِلَ التَّارِيخَ أَوْ عَلِمَ. وَالثَّانِيَة: إنْ جَهِلَ التَّارِيخَ فَكَذَلِكَ وإلا قدم الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا. وَالثَّالِثَةُ: إنْ عَلِمَ التَّارِيخُ عُمِلَ بِالْمُتَأَخِّرِ وَإِنَّ جَهِلَ تَعَارَضَا وَيَتَّصِلُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ قَاعِدَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: إذَا اجْتَمَعَ فِي شَخْصٍ اسْتِحْقَاقٌ بِجِهَةٍ خَاصَّةٍ كَوَصِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وَمِيرَاثٌ وَاسْتِحْقَاقٌ بِجِهَةٍ عَامَّةٍ كَالْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ فَإِنَّهُ لاَ يَأْخُذُ إلاَ بِالْجِهَةِ الْخَاصَّةِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ:
منها: إذَا وَصَّى لِزَيْدٍ بِشَيْءٍوَلِجِيرَانِهِ بِشَيْءٍ وَهُوَ مِنْ الْجِيرَانِ فَإِنَّهُ لاَ يُعْطَى مِنْ نَصِيبِ الْجِيرَانِ.
وَمنها: إذَا وَصَّى لِزَيْدٍ بِشَيْءٍوَلِلْفُقَرَاءِ بِشَيْءٍ وَزَيْدٌ فَقِيرٌ. لاَ يُعْطِي مِنْ نَصِيبِ الْفُقَرَاءِ شَيْئًا نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى