فهرس الكتاب
وَلاَ يَعْلَمُ أَيَّتَهُنَّ طَلَّقَ؟ قَالَ: أَكْرَهُ أَنْ أَقُولَ فِي الطَّلاَقِ بِالْقُرْعَةِ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ مَاتَ هَذَا؟ قَالَ: أَقُولُ بِالْقُرْعَةِ، أَيْ لاِجْلِ الْمِيرَاثِ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَهَذِهِ اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْمُغْنِي. وَالْمَذْهَبُ: الأَوَّلُ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ ذَكَرَ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيْرُ مَنْ أَصَابَتْهَا الْقُرْعَةُ وَأَنَّهُ يَذْكُرُ ذَلِكَ لَزِمَهُ الطَّلاَقُ فِيهَا. وَهَلْ تَرْجِعُ الَّتِي وَقَعَتْ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ؟ تَوَقَّفَ فِيهِ أَحْمَدُ مَرَّةً. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: إنْ كَانَتْ تَزَوَّجَتْ لَمْ تَرْجِعْ إلَيْهِ؛ لاِنَّ حَقَّ الزَّوْجِ الثَّانِي تَعَلَّقَ بِهَا فَلاَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي إسْقَاطِ حَقِّهِ وَفَسْخِ نِكَاحِهِ، وَإِنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ فَإِنْ كَانَتْ الْقُرْعَةُ بِفِعْلِ الْحَاكِمِ لَمْ تَرْجِعْ إلَيْهِ أَيْضًا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ أَيْضًا. قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَهُوَ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي التَّحْرِيمِ. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلى أَنَّ فِعْلَ الْحَاكِمِ حُكْمٌ فَلاَ يُقْبَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِيمَا يَرْفَعُ فِعْلَ الْحَاكِمِ لاِنَّ تَعْلِيقَ حُكْمِ الْحَاكِمِ كَتَعَلُّقِ حُكْمِ الزَّوْجِ وَأَوْلَى، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْقُرْعَةُ مِنْ الْحَاكِمِ رَجَعَتْ إلَيْهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا لاِنَّ إخْبَارَهُ بِذَلِكَ مَقْبُولٌ قَبْلَ الْقُرْعَةِ فَكَذَلِكَ بَعْدَهَا إلاَ أَنْ يَتَضَمَّنَ إبْطَالَ حَقٍّ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ هُنَا، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ حَامِدٍ لاَ يَرْجِعُ إلَيْهِ لاِنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي نَفْيِ الطَّلاَقِ عَنْهَا فَلاَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ.
وَمنها: لَوْ رَأَى رَجُلاَنِ طَائِرًا فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إنْ كَانَ غُرَابًا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثَلاَثًا وَقَالَ الْآخَرُ: إنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثَلاَثًا فَفِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يَبْنِي على وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى يَقِينِ نِكَاحِهِ وَلاَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالطَّلاَقِ وَلاِنَّهُ مُتَيَقِّنٌ لِحِلِّ زَوْجَتِهِ شَاكٌّ فِي تَحْرِيمِهَا، بِخِلاَفِ مَا إذَا كَانَتْ الزَّوْجَتَانِ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ تَيَقَّنَ زَوَالَ النِّكَاحِ فِي إحْدَى زَوْجَتَيْهِ فَلِذَلِكَ عُيِّنَتْ بِالْقُرْعَةِ وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ كَمَا لَوْ كَانَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشِّيرَازِيِّ فِي الإِيضَاحِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَالْحَلْوَانِيِّ وَفِي الْجَامِعِ لِلْقَاضِي أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ وَعَلَى الأَوَّلِ فَمَنْ اعْتَقَدَ خَطَأَ الْآخَرِ دُونَهُ حَلَّ الْوَطْءُ وَإِنْ شَكَّ وَتَرَدَّدَ كَفَّ عَنْهُ وُجُوبًا عِنْدَ الْقَاضِي. وَوَرَعًا عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ.
وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا رَوَاهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: يَعْتَزِلاَنِ نِسَاءَهُمَا حَتَّى يَتَيَقَّنَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حُكْم لِوُقُوعِ الطَّلاَقِ عَلَى أَحَدِهِمَا وَلَكِنْ لَمْ تُخْرِجْهُ بِالْقُرْعَةِ كَمَا رَوَاهُ الشَّالَنْجِيُّ عَنْهُ وَيُحْتَمَلُ- وَهُوَ الأَظْهَرُ- أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ الْوَطْءِ خَاصَّةً كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَأَمَّلْتُ نُصُوصَ أَحْمَدَ فَوَجَدْتُهُ يَأْمُرُ بِاعْتِزَالِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ فِي كُلِّ يَمِينٍ حَلَفَ الرَّجُلُ عَلَيْهَا بِالطَّلاَقِ وَهُوَ لاَ يَدْرِي أَهُوَ بَارٌّ فِيهَا أَمْ لاَ؟ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ بَارٌّ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ بَارٌّ اعْتَزَلَهَا أَبَدًا، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ بَارٌّ فِي وَقْتِ اعْتَزَلَهَا وَقْتَ الشَّكِّ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مَتَى عَلَّقَ الطَّلاَقَ بِشَرْطٍ وَأَمْكَنَ وُجُودُهُ فَإِنَّهُ يَعْتَزِلُ امْرَأَتَهُ حَتَّى يُعْلَمَ انْتِفَاؤُهُ. نَصَّ عَلَى فُرُوعِ هَذَا الأَصْلِ فِي مَوَاضِعَ.
منها: إذَا قَالَ إنْ كُنْت حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ يَعْتَزِلُهَا حَتَّى يُتَبَيَّنَ الْحَمْلُ.