فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 677

المجتمع، وتسعى في جنائزهم وخلفها جموع الأمة، وما شهده الشارع الفلسطيني ولا يزال يشهده من تشييع مواكب الشهداء بمظاهر احتفالية عظيمة، إنما تكشف جانبا من حياة الشهداء ومن فاعليتهم حتى بعد قتلهم. أيًا من الأديان والشرائع يمتلك رؤيا تأثيرية وفاعلة لدم الشهداء، كهذه التي سطرتها شريعتنا السمحة الغراء؟؟؟؟ أيا من النظريات الفلسفية المادية التي لا تؤمن إلا بالواقع المحسوس تستطيع أن تصنع جيلا بل أجيالا تحب الشهادة كما يحبون هم الموت؟؟؟؟؟

إن الذي يؤمن بالواقع المحسوس ولا يؤمن بحياة خلفه لا يمكن أن يندفع خارج حدوده، بل سيستغرق كل جهده للاستزادة من متاعه والنهم من ملاذّه، أما الانسان الرسالي المؤمن بقيم الإسلام وبحياة الشهادة وخلود الشهداء وفاعليتهم وتأثيرهم في الحياة، وتأثرهم بها فإنه يدوس عليها بقدمه ويندفع طالبا الشهادة، كما حدث مع أحد أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام عُمير بن الحمام رضي الله عنه حين التقى جمع المسلمين بالمشركين في بدر، وحث رسول الله عليه الصلاة والسلام المسلمين بالثبات والصبر في ملاقاة الأعداء قائلا:"قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض"، قال عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: نعم، قال عمير: بَخٍ بَخٍ، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام ما يحملك على قول بخ بخ. قال: لا والله إلا رجاء أن أكون من أهلها، فقال:"إنك من أهلها، فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لإن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة، قال: فرمى ما كان معه من التمرات، ثم قاتلهم حتى قُتل". صحيح مسلم.

أي فلسفة تستطيع أن تدفع بالناس إلى ساحة الموت إلى درجة الاقتحام طلبا للقتل؟ -غير الإسلام- كما روى الإمام مسلم عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه قال:"سمعت أبي وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام"إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف، فقام رجل رث الهيئة فقال: يا أبا موسى أ أنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا؟ قال: نعم، فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام ثم كسر جفن سيفه (غمده) فألقاه ثم مشى بسيفه إلى العدو، فضرب به حتى قُتل"، أي فلسفة تستطيع أن تقضي على التعلق بالدنيا ومغانمها طمعًا في الآخرة وما أعد الله فيها؟ كما حدث مع ذاك الصحابي، الذي أعطاه الرسول عليه الصلاة والسلام نصيبه من الغنائم كباقي المسلمين، إلا أنه أبى أن يأخذها قائلا ما على هذا بايعتك، إنما بايعتك على أن أضرب بسهم فيما ها هنا - مشيرا إلى نحره - فأفوز فأدخل الجنة. ودارت المعركة ووُجد هذا الصحابي مقتولا بسهم حيث أشار، وعُرض على رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: أهو هو؟ فقال نعم، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام:"صدق الله فصدقه الله، وأنا على ذلك من الشاهدين". أي ثقافة وأي معتقدات تلك التي تدفع صاحبها وهو يرى الموت يحدق به، والمغريات تهتف به على أن ينجو من الموت ويحتل المناصب العليا!!! كما حدث مع الشهيد عز الدين القسام، فيأبى ويخاطب إخوانه قائلا:"موتوا شهداء". وكما حدث مع الشهيد سيد قطب، وهو تحت حبل المشنقة، مُؤثرا الشهادة على المنصب الرفيع."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت